يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى ، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات ، لاندراجها في الكليات واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب » « 1 » .
نستنتج من قول « القرافي » الآنف ذكره اختلاف القواعد الفقهية عن أصول الفقه والمهمة التي تؤديها هذه القواعد في تطوير الفقه الإسلامي وتنميته . فعلم أصول الفقه يضع المناهج العلمية ويبيّن المسالك التي يلتزم بها الفقيه ويتبعها لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، بينما تؤلّف القواعد الفقهية المبادئ العامة في الفقه الإسلامي التي تتضمن أحكاما شرعية عامة تنطبق على الوقائع والحوادث التي تدخل تحت موضوعها « 2 » . وبعبارة أخرى فهي ثمرة للأحكام الفقهية الجزئية المتفرقة ، فيجتهد فيها فقيه مستوعب للمسائل ، فيربط بين هذه الجزئيات المتفرقة برباط هو القاعدة التي يحكمها أو النظرية التي تجمعها « 3 » .
والمتتبع لتاريخ التشريع الإسلامي وتطوره يلاحظ أن رسول اللّه كان أول من نطق بالقواعد الفقهية التي جاءت على لسانه الفصيح على هيئة أحاديث نبوية كقوله عليه السلام : « الخراج بالضمان » . وقوله : « لا ضرر ولا ضرار » وقوله : « طالب الولاية لا يولّى » وغيرها من الأحاديث التي تحولت إلى قواعد فقهية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان .
ثم تطورت القواعد الفقهية وتبلورت رويدا رويدا حتى وصلت إلى الصورة الدقيقة الرائعة التي هي عليها الآن من حيث صياغتها الدقيقة ، وأسلوبها الرصين ، وعباراتها البليغة وتركيبها المحكم . وقد اهتم فقهاء الحنفية بهذه القواعد وصاغوها صياغة « قانونية » دقيقة حتى إن بعضا منهم رد مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة .
كما إن بعض فقهاء الشافعية رد جميع مذهب « الشافعي » إلى أربع قواعد هي : اليقين لا يزول إلا بالشك ، والمشقة تجلب التيسير ، والضرر يزال ، وأخيرا العادة محكّمة .
وذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى إرجاع الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد بل قد يرجع الكل إلى اعتبار المصالح لأن درء المفاسد من جملتها « 4 » .
هامش
( 1 ) القرافي ، الفروق ، طبعة الحلبي ، الجزء الأول ، مقدمة الكتاب .
( 2 ) مصطفى أحمد الزرقاء ، المدخل الفقهي العام ، المرجع السابق ، ص 633 .
( 3 ) محمد أبو زهرة ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 10 .
( 4 ) السيوطي ، الأشباه والنظائر ، ذكره محمد شفيق العاني ، المرجع السابق ، ص 105 .