هكذا عرضنا بعض مصادر الفقه الإسلامي وأثبتنا أهميتها بالنسبة إلى تطور الفقه وتجديده وصيرورته صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان . وصرفنا النظر عن الاستحسان لأننا تعرضنا له في مبحث سابق . ولم نتعرض لشرع من قبلنا ، وقول الصحابي والاستصحاب . فالأول لا يساهم في تطوير الفقه ولا يجدد أحكامه ولم يكن النبي متعبدا بأية شريعة من الشرائع الأخرى . وقول الصحابي لا يستند إليه في تجديد الأحكام الفقهية لأنه تطبيق لما قاله الصحابة وعملوا به ، فهو مصدر تاريخي للتشريع أكثر من كونه مصدرا تجديديّا . والاستصحاب لا يثبت هو الآخر حكما جديدا ، ولكن يستمر به الحكم الثابت بدليله الدّالّ عليه كالإباحة الأصلية أو العدم الأصلي أو حكم الشرع بشيء بناء على وجود سببه . ولكنه بالرغم من ذلك فهو يساعد الفقهاء ويخلصهم من مواقف صعبة يتعرضون لها في فتاويهم وأقضيتهم زيادة على ما فيه من الدلالة على سماحة الإسلام ، وأنه دين الفطرة الذي لا يشعر المستظلون بلوائه بحرج فيما شرع لهم من أحكام .
ولا يقتصر على أصول الفقه في تطوير الفقه الإسلامي على معرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية التي تعرضنا لها إطنابا وإيجازا حسب الأحوال .
ولكن على الأصولي الذي يبغي استنباط هذه الأحكام من أدلتها أن يحسن فهم النصوص وتفسيرها ، وهو أهم جزء في علم الأصول لأنه هو الجزء المنهجي الذي به يتم استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . ومن هنا اتجه الأصوليون إلى تحليل الألفاظ والمعاني والعلل . فقد قسموا الألفاظ باعتبار استعمال اللفظ في المعنى إلى حقيقة ومجاز وصريح وكناية . وقسموا الألفاظ باعتبار ظهور المعنى وخفائه إلى ظاهر ونص ومفسر ومحكم وخفي ومشكل ومجمل ومتشابه . وأخيرا قسموا الألفاظ باعتبار دلالة اللفظ على المعنى وطرق الوقوف على مراد المتكلم منه ، إلى عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء « 1 » .
أسهب « الأصوليون » في هذه التقسيمات وبيان الألفاظ ودلالتها وكيفية استنباط الأحكام عن طريقها . وهذه الأدوات لا تزال صالحة إلى وقتنا الحاضر لإيجاد العديد من الحلول للمشاكل والحوادث الطارئة في زماننا .
هامش
( 1 ) أ - زكي الدين شعبان ، أصول الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 276 .
ب - د . حسن حنفي ، دراسات إسلامية ، المرجع السابق ، مقال « علم أصول الفقه » ، ص 66 - 71 .