لم يقتصر الأصوليون على بيان الأدلة التي تستنبط منها الأحكام الشرعية ، ولا على الأدوات اللفظية التي تستخدم لذلك الاستنباط . ولكنهم اهتموا أيضا ب « الأحكام الشرعية » فقسموها إلى : الحاكم وهو الشارع ، والمحكوم عليه وهو المكلّف ، والمحكوم فيه وهو الفعل ، ونفس الحكم وهو الأمر والنهي . وقد استمر العمل بهذا التقسيم حتى جاء الشاطبي ففصّل في الأحكام الشرعية وجعلها أكثر من نصف العلم في كتابه « الموافقات » . وقسم هذه الأحكام الشرعية إلى : الأحكام والمقاصد . وقسم الأحكام إلى : أحكام التكليف ، وأحكام الوضع . كما قسم المقاصد إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلّف . وهكذا تصبح أحكام التكليف هي أفعال الإنسان في العالم طبقا لمستويات الفعل وطاقات الإنسان وقدرته على التمثل والمقاومة والتضحية . في حين أن أحكام الوضع هي الأحكام الموضوعة في العالم قبل أن يتمثلها إنسان ، والتي ترتكز على أسس موضوعية . أما مقاصد الشارع فتعني الوحي باعتباره قصدا إلهيّا يتجه إلى الإنسان ويقوم على أسس وضعية وهو الدفاع عن المصالح العامة . ثم يتحول هذا القصد العام الشامل إلى قصد إنساني في مقاصد المكلف ويصبح النية على الفعل والباعث على السلوك « 1 » .
ونحن لا نود في هذا السياق التعرض بالتفصيل للأحكام الشرعية لأنها مبثوثة في كتب الأصول المختلفة ، ولأننا أشرنا إليها في مقدمة هذا المطلب ، ولأن هدفنا بيان وأهمية علم أصول الفقه في تطوير الفقه وتجديد أحكامه ، وتحريكه من جموده ليساير المستجدات والنوازل مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة .
نعم لا يزال علم أصول الفقه صالحا لتطوير وتجديد الفقه الإسلامي بما يقدم من مناهج علمية صارمة تساعد المجتهد على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية بعد أن يتقن الأدوات اللغوية التي تساعده على فهم النصوص ليتمكن بها من استنباط الأحكام الشرعية المستجدة على مر العصور .
ولكن أدوات تطوير وتجديد الفقه الإسلامي لا تكمن في علم أصول الفقه فحسب وإنما تمتد كذلك إلى القواعد الفقهية باعتبارها قواعد كلية تنطبق على جميع جزئياتها . وهذه القواعد تمكن الفقه من التطور والتجديد والخروج به من الجمود الذي
هامش
( 1 ) د . حسن حنفي ، المرجع السابق ، ص 77 .