يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ، ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق ، حتى يكون منعما على الإطلاق « 1 » .
ثم تتوالى السنون والأعوام ، ولا نجد أحدا من علماء المسلمين من يتحدث عن المصلحة حتى ظهور الشيخ « محمد الطاهر بن عاشور » شيخ جامع الزيتونة الذي ألّف كتاب « مقاصد الشريعة الإسلامية » . وقد جاء في مقدمته أن السبب الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب هو البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع ، في قوانين المعاملات والآداب ، التي يرى أنها جديرة بأن تخص باسم الشريعة ، والتي هي مظهر ما رعاه الشارع من تعاريف المصالح والمفاسد وتراجيحها ، مما هو مظهر عظمة الشريعة الإسلامية ، بين بقية الشرائع والقوانين والسياسات الاجتماعية ، لحفظ نظام العالم وإصلاح المجتمع « 2 » .
وحاول الشيخ « الطاهر بن عاشور » أن يثبت بالدليل العلمي أهمية المصلحة في تطوير الفقه الإسلامي ، وكيف يمكننا استنباط الأحكام الشرعية عن طريقها ، وكيف يقرر أن شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان . لأن الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال ، بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ، ولا مشقة ، ولا عسر . وهكذا برهن هذا العالم الجليل على رعاية الشارع للمصلحة ، وكونها أصلا تشريعيا تبنى عليه الأحكام دون حاجة إلى نص ، ولا إلى نظير قياس يقاس عليه « 3 » .
نعم لقد اختلف فقهاء المسلمين منذ القدم في حجية المصالح المرسلة ، فهم وإن اتفقوا على عدم اعتبار المصلحة المرسلة في العبادات على اختلاف أنواعها باعتبارها أمورا تعبدية لا مجال للرأي والعقل في تقديرها ، ومعرفة أحكامها وإدراك معانيها التفصيلية . ولكنهم اختلفوا في العمل بالمصلحة في المعاملات حيث لا يوجد نصّ ولا إجماع ولا قياس . فقد روي عن الإمام أحمد فتاوى كثيرة بنيت على المصلحة وحدها ، فقد أفتى بنفي أهل الفساد والدعارة إلى بلد يؤمن فيه من شرهم ، ورأى تغليظ الحدّ على شارب الخمر في نهار رمضان ، كما جوز صرف العطية عن بعض ولده إذا
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 25 .
( 2 ) محمد الطاهر بن عاشور ، مقاصد الشريعة الإسلامية ، تونس ، 1366 هجرية ، ص 7 - 8 .
( 3 ) د . مصطفى زيد ، المصلحة في التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 179 .