تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
الحياة الاجتماعية لأنها لا تنفصل عن المثال الأعلى الذي تضعه شريعة الإسلام للناس وهو تحقيق الإرادة الإلهية في عمارة الأرض وإقامة العدل بين أفرادها . والإسلام يشرك أبناءه في الاجتهاد في الدين والاستنباط من أصوله العامة . واضعا بذلك الأسس الأولى لمشاركة الفرد في إنتاج القانون الذي يجب عليه أن يطيعه . ومع أن الوحي هو مصدر الشريعة الإسلامية ، فإن هذه الشريعة لم تغفل الإفادة في تفاصيلها من أية قاعدة أو مادة فقهية أجنبية ، أو حتى من أعراف البلاد التي دخلها الإسلام إذا كانت تندرج تحت أصل شرعي عام . وهذا يفسر كثيرا من التغاير الواقع في تطبيق الشريعة بحسب العصور والأزمنة ، الأمر الذي يدل على أن أسلافنا اعتمدوا قبل كل شيء على أصول الفقه العامة والتي جمعت الملل والنحل عليها ، ثم لم ينظروا إلى أقوال الفقهاء والأئمة إلّا كمادة يستقى منها إلى جانب غيرها من المواد للاحتفاظ بالتقدمية الشرعية في البلاد . ولقد كان لهم في مادتي « الاستحسان » و « المصالح المرسلة » ما فسح لهم المجال الواسع في ميدان التطور الفقهي إلى حدّ يفوق كل الطاقات التي يملكها رجال القانون في الأمم الأخرى « 1 » . ونظرا لأهمية المصلحة في التشريع الإسلامي فقد ألّف « الشاطبي » كتابه الشهير حولها والموسوم ب « الموافقات » الذي رأى فيه أن الأدوات اللّازم توفرها لدى المجتهد حتى يتمكن من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية هي : حذق اللغة العربية ومعرفة مقاصد الشريعة الإسلامية التي تمثل مصالح الناس دنيا وآخرة . وبرهن « الشاطبي » بمهارة كيف أن الفقهاء اهتموا بالشرط الأول فأدرجوا في اللغة العربية ما تمس إليه حاجة الاستنباط بطريق مباشر مما قرره أئمة اللغة حتى بلغوا فيه شأوا عظيما . ولكنهم أهملوا الشرط الثاني إهمالا تامّا وهو النظر في مقاصد الشريعة ، اللّهم إلّا إشارات قليلة وردت في باب القياس ، عند تقسيم العلة بحسب مقاصد الشرع وبحسب الإفضاء إليها . ثم وقف علم أصول الفقه عن النمو قرونا عديدة حتى هيأ له اللّه « الشاطبي » في القرن الثامن الهجري فأكمل هذا العلم وطوره وأبان عن كيفية بناء الشريعة على مراعاة المصالح ، وأنها نظام عام لبني البشر مهما بقيت الدنيا على وجه الحياة ، لأنها مراعى فيها مجرى العوائد المستمرة . وهكذا بين « الشاطبي » « أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا » . وفسّر هذه المصالح بأنها « ما
هامش
( 1 ) علال الفاسي ، النقد الذاتي ، القاهرة ، 1952 ، ص 159 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 533 | ساسي سالم الحاج