الحكم بها وبنائه عليها جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الخلق ، ولم يقم دليل معين يدل على اعتبارها أو إلغائها . وهذا النوع هو الذي قسّمه الأصوليون إلى مصالح ضرورية ، ومصالح حاجية ومصالح تحسينية . فالمصالح الضرورية : هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارج وفوت حياة . ومجموع الضرورات خمسة : حفظ الدين ، والنفس ، والنسل ، والمال والعقل « 1 » . وقال عنها « الغزالي » : إنها أقوى المراتب في المصالح ، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل ، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته ، فإن هذا يفوّت على الخلق دينهم . وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس . وإيجاب حدّ الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف . وإيجاب حدّ الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب . وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به تحصّن الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها « 2 » .
هكذا لو طبقنا هذا النوع من المصلحة في زماننا لاستطعنا أن نجد الكثير من الحلول للمشاكل التي تواجهنا . فكل ما يضر بالنفس أو العقل أو الدين أو النسل والمال نمتنع عنه ، ونقرر الأحكام المناسبة إليها من حيث حفظها وردع المخالفين لها .
وبذلك تصبح المصالح من الأدوات الأساسية لتطور الفقه الإسلامي وجعله مناسبا إلى إيجاد جميع الحلول التي تواجهنا مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة .
أمّا المصالح الحاجية : فهي تلك المصالح المفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب . فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة ، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة « 3 » . فالرخص المخففة في العبادات كإفطار المسافر في نهار رمضان ، وإباحة الصيد ، والتمتع بما أحل من لذة المأكل والمشرب ونحوها في العادات ، وإباحة السلم ، والمزارعة والمساقاة ونحوها ، وإباحة الطلاق دفعا لضرر الزوجة الفاسدة في المعاملات . وتضمين الصنّاع ، وضرب الدّية على العاقلة ، والقسامة ، ودرء الحدود بالشبهات ونحوها في باب العقوبات ، كل ذلك مصالح حاجية
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 8 - 10 باختصار .
( 2 ) المستصفى ، المرجع السابق ، ص 287 - 288 .
( 3 ) الشاطبي ، الموافقات ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 10 .