اعتنى الفقهاء بالمصالح ، وقسموها إلى مصلحة معتبرة وهي التي قام الدليل الشرعي المعين على رعايتها واعتبارها ، ويجوز التعليل بها ، وبناء الحكم عليها .
ويدخل في هذا النوع جميع المصالح المشروعة لتحقيقها ، كحفظ العقل الذي شرع الشارع لتحقيقه تحريم الخمر ، وإيجاد الحدّ على شاربها ، وحفظ المال الذي شرع الشارع لتحقيقه تحريم السرقة وقطع يد السارق « 1 » .
وأهمية هذا النوع من المصالح أنها صالحة للاستخدام في وقتنا الحاضر وفي كل زمان ومكان . وبيان ذلك أن المجتهد إذا عرف أن حفظ العقل قام الدليل الشرعي على اعتباره ، وهو تحريم الخمر وإيجاب الحد على شربها ، فإذا عرف هذه المصلحة التي تحققت من هذا الحكم ، ثم وجد شيئا آخر لا يسمى خمرا ولكنه يفعل بالعقل ما تفعله الخمر كالمخدرات مثلا فإنه لا يتردد على الحكم بتحريمها وإيقاع العقوبة الرادعة على مرتكبيها قياسا على الخمر ، أخذا من الدليل القائم على اعتداد الشارع بمصلحة حفظ العقل فيبنى عليها الحكم الملائم « 2 » . وهكذا في بقية الأحكام الأخرى التي تحفظ الدين ، والنفس ، والنسل والمال .
أمّا القسم الثاني من المصلحة فهي المصلحة الملغاة وهي ما علم مخالفته لمقتضى الدليل الشرعي وشهد الشارع ببطلانها ، ومثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان : إن عليك صوم شهرين متتابعين فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال : لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته ، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به .
ويرى « الغزالي » أن مثل هذه الفتوى باطلة ومخالفة لنصّ الكتاب بالمصلحة ، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال « 3 » .
والقسم الثالث من المصلحة ما لم يشهد له الشارع بالبطلان وبالاعتبار ، وهي التي سكت الشارع عنها ولم يرتّب حكما على وفقها أو خلافها ، وهي المعروفة لدى الأصوليين بالمناسب المرسل أو المصالح المرسلة . وبالتالي فهي التي يحصل من ربط
هامش
( 1 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 179 .
( 2 ) الغزالي ، المستصفى ، المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 284 .
( 3 ) الغزالي ، المستصفى ، المرجع السابق ، ص 285 .