تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
المصالح لا تنحصر جزئياتها ، ولا تتناهى أفرادها ولكنها متجددة متطورة بتجدد أحوال الناس وباختلاف البيئات والمجتمعات . وهذه المصالح لا تقتصر على زمن معين أو بيئة أو مجتمع معين . فهي - كما ذكرنا - دائمة التجدد والنمو والتطور ، وهنا تكمن أهميتها باعتبارها مصدرا تشريعيّا يقدم للفقه الإسلامي العوامل والأسباب التي تساعده على التطور والتقدم على مدى العصور والأجيال . يعرّف الغزالي المصلحة بأنها « عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة » ولكنه يستطرد بعدها قائلا : « إننا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ، ومقصود الشرع من الخلق خمسة : وهو أن يحفظ عليهم دينهم ، وعقلهم ، ونفسهم ، ونسلهم ومالهم . فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة ، وكل ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة » « 1 » . يرى « الشاطبي » في « موافقاته » أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا ، وأن تلك الأحكام معللة برعاية تلك المصالح ، من جلب المنافع للناس ودفع المفاسد عنهم ، وأن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها الثلاثة : الضرورية والحاجية والتحسينية . وأن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة ما هو كالتتمة والتكملة له « 2 » . والشارع الحكيم قد راعى المصلحة وجعلها الفقهاء من المصادر الهامة لأصول الشريعة الإسلامية . كما أن المصادر الأصولية الأخرى كالقرآن والسنة والإجماع والقياس قد راعت المصلحة واعتبرتها في إيجاد الأحكام الشرعية . فالقرآن راعى المصلحة من وجوه عدة منها : إن القرآن احتوى على مبادئ كلية تراعي المصلحة دونما تطرق إلى تفريعاتها أو جزئياتها . ويتمكن الفقهاء بهذه القواعد الكلية من استنباط العديد من الأحكام الفرعية والجزئية المبنية على المصلحة . ومنها : إن كثيرا من المصالح قد أشار إليها القرآن صراحة أو إشارة ، فهو عند تحريمه للخمر والميسر برره بما يقع بسببهما بين الناس من عداوة وبغضاء . فجاء هذا الحكم مراعاة لمصالح الناس . وهو عندما أمر الرجال باعتزال النساء وقت الحيض لما فيه من أذى ، هذا الحكم يدل على مراعاة المصلحة . وهكذا تصبح رعاية هذه المصالح هي غاية هذه
هامش
( 1 ) الغزالي ، المستصفى ، المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 276 - 287 . ( 2 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الثاني ، دار المعرفة ، ص 8 ، بدون تاريخ . بتصرف .