والقياس بهذا الشكل يساهم مساهمة فعالة في تطوير الفقه الإسلامي في كل زمان ومكان . إذ عن طريقه نتمكن الآن من إيجاد العديد من الأحكام الشرعية بتطبيق أحكامه وشروطه . فعند ما نتعرف إلى الأصل المنصوص عليه وتأتي لنا قضية باعتبارها فرعا لم ينصّ عليها ، ونعثر على علة تجمع بين الأصل والفرع فإننا نستخرج الحكم الذي نطبقه على الفرع فنجد الحل اللازم له والمنطبق عليه .
إن القياس - باعتباره مصدرا تشريعيا - ضبطت قواعده ضبطا محكما ، وحددت شروطه تحديدا نافيا للجهالة ، ونظمت قواعده الأصولية تنظيما دقيقا بحيث لو أحسنّا استخدامه ، ووفرنا شروطه ، وتعرفنا إلى علله لأصبح مساعدا أساسيّا لنا في العصر الحاضر على تلمس الحلول للعديد من الحوادث والوقائع التي لا نص يحكمها في القرآن أو السنة . وهكذا يساهم هذا المصدر في تطوير الفقه ويخرجه من جموده ويساهم بالتالي في تطور الحركة التشريعية في زماننا بحيث نتمكن به وبالمصادر الأخرى من الاستغناء عن القوانين الغربية التي تحكم حياتنا التشريعية إلى الآن ، كما نتمكن به أيضا من الاستقلال عن التبعية الثقافية لهذا الغرب الذي اتخذناه نموذجا ودليلا لنا في تقنيناتنا التشريعية الحديثة .
والغريب أن القياس - الذي حاول المستشرقون إرجاعه إلى المصادر اليهودية - هو علم إسلامي خالص وضع له الإمام « الشافعي » قواعده الأساسية في رسالته الأصولية . فحدد أركانه وأنواعه وبيّن الشروط الواجب توافرها في « القياس » بحيث تبلور منذ ذلك الزمان وأصبح واضح المعالم ثم تطور حتى أصبح مكتملا في عهد الإمام الغزالي الذي استخدم المنطق اليوناني في تطويره فبلغ به الذرى . ولكن الذي يهمنا في هذا السياق أن هذا المصدر لا يزال صالحا للتطبيق في عصرنا هذا وفي العصور اللاحقة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . وهو المصدر الذي جعله المفكر الإسلامي الباكستاني « محمد إقبال » مبدأ الحركة في الإسلام والذي يناط به التجديد والتغيير والتحديث والتطور وتقدم المسلمين . ففيه يصبح الجهد الإنساني طرفا مع الوحي في التنظير والتشريع . وهو الأصل الذي تحدث عنه المعلمون المسلمون منذ القرن الماضي وسموه « إعادة فتح باب الاجتهاد » مع أنه لم يغلق أبدا .
فإذا تركنا القياس ونظرنا إلى أهمية المصالح المرسلة في تطوير الفقه الإسلامي وجدنا دورها كبيرا ورئيسا هي الأخرى . وآية ذلك أن تشريع الأحكام ما قصد به إلّا تحقيق مصالح الناس ، أي جلب نفع لهم أو دفع ضرر أو رفع حرج عنهم . وهذه
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 527
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٢٧