تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
من تطوير الفقه في العصر الحاضر حتى يصبح صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان . علما بأن مثل هذه التعديلات المقترحة لا تتنافى والشريعة الإسلامية الغراء ، ولا تنتقص من حجية الإجماع وشروطه طبقا لما نص عليه الفقهاء الأقدمون . وهكذا فإن الإجماع أفاد الفقه الإسلامي ماضيا ولا يزال يفيده حاضرا ومستقبلا من ناحية تغييره بحسب الزمان والعرف وتأثره بآراء الفقهاء المجتهدين في جميع القضايا التي لا نصّ فيها في الكتاب والسنة ، أو التي كان النص فيها غير ظاهر أو غير صريح . فإذا تركنا الإجماع ووضعنا المصدر الرابع من مصادر الفقه الإسلامي تحت النظر والدراسة ألا وهو « القياس » فإننا نجده من أهم المصادر التي يمكننا استخدامها في العصر الحاضر وفي كل العصور اللاحقة ، لإثبات صلاحية الفقه الإسلامي وإمكانية تطويره ونموه وإيجاد الكثير من الحلول للقضايا المستجدة عن طريقه . إن القياس هو أصل من أصول الشريعة الإسلامية ، يرجع إلى تحكيم العقل وإعمال المنطق والرأي . وقد أنشأه وطوره الفقهاء المسلمون ، فهو إسلامي المنشإ والمنبت لم يتأثر فيه المسلمون بالمصادر الخارجية كما حاول المستشرقون إثبات ذلك ، ذلك أنه بعد انتشار الفتوحات الإسلامية واتساع الأراضي التابعة للدولة العربية ، واجه الفاتحون قضايا ونوازل جديدة لا قبل لهم بها في بيئتهم العربية البسيطة . ولم يكن لهم فيها نصّ من الكتاب أو السنة ، ولم يجمع مجتهدوها على حل لها ، فاتجه فقهاء الأمة وعلماؤها إلى تحكيم العقل وإحكام الفكر والرأي السليم والاجتهاد في النصوص الصريحة ، فأنشئوا قواعد علمية ثابتة أدرجوها في باب خاص بها ، وهو باب القياس واعتبروه دليلا رابعا لأحكام الشرع الإسلامي . استند علماء المسلمين في حجية هذا المصدر إلى العديد من النصوص القرآنية الصريحة وإلى الكثير من الأحاديث النبوية الثابتة التي تحث على إعمال النظر والفكر لاستخلاص القواعد الشرعية منها . كما استندوا كذلك إلى تلك القواعد الشرعية الأصولية القائلة : إن الأحكام جميعا مبنية على مقاصد ومصالح ، وإن هذه المقاصد والمصالح هي علة تلك الأحكام وسبب وجودها . فأخذوا يستنبطون من الأحكام عللها . فإذا عرفوا علة حكم منصوص عليه في مسألة من المسائل ، أمكنهم قياس مسألة أخرى عليها وإعطاؤها مثل حكم المسألة الأولى إن اتفقت معها في العلة « 1 » .
هامش
( 1 ) صبحي محمصاني ، فلسفة التشريع الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 163 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 524 | ساسي سالم الحاج