الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة . فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه ، بشرط أن يكونوا منّا وألّا يخالفوا أمر اللّه ولا سنة رسوله التي عرفت بالتواتر ، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه ، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه ، أمّا العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل هو مما يؤخذ عن اللّه ورسوله فقط ، ليس لأحد رأي فيه إلّا ما يكون في فهمه « 1 » .
وهكذا نستنتج من الفقرة السابقة إمكانية تحقق الإجماع في العصر الحاضر عندما يتفق أهل الحل والعقد على أمر من الأمور الدنيوية لا التعبدية ، شريطة ألا يخالفوا في إجماعهم ما أمر اللّه به في حكم كتابه ، أو ما قرره الرسول في سنته المنقولة إلينا عن طريق « التواتر » . وأن يكون الإجماع لتحقيق مصلحة عامة لا مصلحة خاصة . وعلى أهل الحل والعقد التشاور فيما بينهم لتقرير الحكم الذي يرونه مناسبا على المسألة المطروحة ، وبمكنة أهل الحل والعقد تكوين مجلس ، أو مؤتمر شعبي ، أو جمعية أو مجلس استشاري كما فعل « عمر بن الخطاب » لمناقشة المسألة المطروحة على بساط البحث والخروج برأي جماعي حولها ، وهذا هو مفهوم الإجماع بعينه طبقا للنظرية التقليدية للإجماع .
أمّا المفكر الإسلامي « رشيد رضا » فإنه وإن كان يخالف مفهوم الإمام « محمد عبده » حول
وَأُولِي الْأَمْرِ
والذي يراهم أنهم من يثق بهم الناس في أمور دينهم ومصالح دنياهم ، لاعتقادهم أنهم أوسع معرفة وأخلص في النصيحة فيراهم أهل الإجماع ، وعلى الأمة طاعتهم فيما يجمعون عليه ، ويرى أن تحقيق الإجماع في العصر الحاضر أمر ممكن ، لأن اجتماع أولي الأمر واتفاقهم على أمر من الأمور سهل ، ومعرفة اتفاقهم ونقله إلينا بالرغم من تفرقهم ليس صعبا ، ولكن السؤال المطروح دوما : كيف ولما ذا لم يوضع لهم نظام في الإسلام كنظام مجالس الشورى ؟ « 2 » .
ويقترح المفكر الإسلامي « كمال فاروقي » عدة مقترحات تساعد على تحقيق الإجماع في العصر الحاضر ، منها : قصر الإجماع على بلد إسلامي معين دون المطالبة
هامش
( 1 ) تفسير المنار ، دار المعرفة ، بيروت ، الجزء الخامس ، 1973 ، ص 181 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 188 .