لقد أشرنا آنفا إلى بعض آراء الأصوليين المحدثين الذين يرون استحالة تحققه في الزمن الحاضر طبقا للشروط والأركان المنصوص عليها في النظرية التقليدية . واقترحوا لنا أن يتم الإجماع عن طريق تنظيمه من قبل الحكومات الإسلامية التي تحدد المجتهدين وتتمكن من جمعهم وأخذ آرائهم في القضية المطروحة . ولكن هذه الحلول صعبة التحقيق هي الأخرى ، لأنه يستحيل جمع علماء المسلمين المجتهدين كافة وأخذ آرائهم بصورة إجماعية خاصة أنهم يعيشون الآن في دول مستقلة متباعدة تفصل بينها بحار وبراري شاسعة . وهكذا فإن الأمر يقتضي التحول جزئيا عن نظرية الإجماع القديمة خاصة فيما يتعلق بإجماع المجتهدين كافة ، فربما يقتصر الأمر على رأي الأغلبية دون النظر إلى رأي الأقلية ، وهذا هو رأي « الطبري وأبي بكر الرازي وأبي الحسين الخياط وأحمد بن حنبل » في إحدى الروايتين عنه « 1 » . كما يمكن الاستعاضة عن إجماع جميع المجتهدين من المسلمين وقصره على مجتهدي القطر الواحد . وربما يستعاض عن الإجماع الصريح في حالة عدم تحققه بالإجماع السكوتي ، خاصة أن العديد من المدارس الفقهية الإسلامية القديمة تأخذ بحجية هذا النوع من الإجماع :
خاصة المدرسة الحنفية والإمام « أحمد بن حنبل » ودليلهم على ذلك أن الأدلة القائمة على حجية الإجماع وأنه دليل قطعي لم تفرق بين الإجماع الصريح والإجماع السكوتي . ويرى « الآمدي » و « الكرخي » أن الإجماع السكوتي حجة ظنية لأن سكوت باقي المجتهدين لا يلزم أن يكون لموافقتهم على رأي الآخرين حتى يكون حجة قطعية ، بل يحتمل أن يكون للموافقة ولغيرها إلّا أن احتمال أن يكون السكوت للموافقة هو الظاهر ، واحتمال أن يكون لأمر آخر احتمال بعيد ، وذلك لما علم من أحوال السلف الصالح ، فإنهم لم يكونوا يمتنعون عن قول الحق ، مهما لاقوا في سبيله ومهما كانت درجة من يخالفونه « 2 » .
ويذهب الإمام « محمد عبده » إلى إمكانية تحقيق الإجماع في العصر الحاضر عند تفسيره للآية الكريمة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
« 3 » . من أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين ، وهم
هامش
( 1 ) الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام ، المرجع السابق الجزء الأول ص 336 .
( 2 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 92 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية : 59 .