تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
فالإجماع يمثّل أداة صالحة لاستنباط الأحكام عن طريق اتفاق المجتهدين في عصر من العصور على الأمور الشرعية خاصة عندما يكون هذا الإجماع صريحا لا ضمنيّا ، لأنه لا ينسب إلى ساكت قول ، ولأن السكوت ربما نتيجة خوف أو قهر أو مماراة . وأن يكون اتفاق المجتهدين عاما فلو وجد مخالف واحد لهم لما انعقد الإجماع إذ ربما يكون الصواب إلى جانبه والخطأ في جانب الأغلبية . ولكن نظرا للشروط التي يجب توافرها في الإجماع طبقا لما ذهب إليه الأصوليون فهي تكاد تكون مستحيلة التحقيق في عصرنا الحاضر ، لأنه يتعذر معرفة الشخص المجتهد لعدم وجود معايير موضوعية ثابتة تحدده . ثم إنه لو فرضنا معرفة أشخاص المجتهدين جميعا في العالم الإسلامي وقت حدوث الواقعة المراد الحكم فيها ، فإنه من الصعوبة بمكان الوقوف على آرائهم جميعا حول هذه الواقعة لاستحالة جمعهم في مكان واحد . ثم لو فرضنا أنه لو تحقق هذا الشرط أيضا فما الذي يضمن لنا أن المجتهد الذي أبدى رأيه في الواقعة يبقى مصرّا على رأيه حتى تؤخذ آراء الباقين ؟ . ثم ما الذي يمنع من أن تعرض له شبهة فيرجع عن رأيه قبل أخذ آراء الباقين ؟ . ولهذه الأسباب يقترح الأستاذ « عبد الوهاب خلّاف » أن يكل أمر الإجماع في العصر الحاضر إلى الدول الإسلامية على اختلافها . فكل حكومة تستطيع تعيين الشروط التي بتوافرها يبلغ الشخص مرتبة الاجتهاد ، وأن تمنح الإجازة الاجتهادية لمن توافرت فيه هذه الشروط ، وبهذا تستطيع كل حكومة أن تعرف مجتهديها وآراءهم في أية واقعة . فإذا وافقت كل حكومة على آراء مجتهديها في واقعة ، واتفقت آراء المجتهدين جميعهم في كل الحكومات الإسلامية على حكم واحد في هذه الواقعة ، كان هذا إجماعا وكان الحكم المجمع عليه حكما شرعيّا واجبا على المسلمين جميعهم « 1 » . ويقترح الأستاذ « الخضري » خلافا لما ذهب إليه الأستاذ « خلّاف » أن بالإمكان تحقيق الإجماع في العصر الحاضر وذلك عن طريق إمام المسلمين الذي يستطيع جمع المجتهدين كافة في حضرته أو يكتب لكل منهم ما يفيد رأيهم حول المسألة المطروحة ، وهو الذي يمنح لقب المجتهد لمن يستحقه أيضا ، وبذلك يمكن القول بتحقيق الإجماع في العصر الحاضر « 2 » .
هامش
( 1 ) عبد الوهاب خلاف ، علم أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 49 - 50 . ( 2 ) محمد الخضري ، أصول الفقه ، القاهرة ، 1962 ، ص 312 - 313 بتصرف شديد .