تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى ما ذهب إليه الأستاذ « عبد الوهاب خلّاف » من إمكانية تحقق الإجماع في العصر الحاضر بالشروط التي حددها آنفا ، إلّا أنه عند تعرضه لإمكانية حدوثه أصلا فإنه ينفي ذلك . ويعتبر أن ما يقوله العلماء عن إجماع الصحابة وغيرهم ليس إجماعا بالمعنى الفني للمصطلح لأن من رجع إلى الوقائع التي حكم فيها الصحابة ، واعتبر حكمهم فيها بالإجماع يتبين أنه ما وقع إجماع بهذا المعنى ، وأن ما وقع إنما كان اتفاقا من الحاضرين ، من أولي العلم والرأي على حكم في الحادثة المعروفة ، فهو في الحقيقة : حكم صادر عن شورى الجماعة لا عن رأي الفرد « 1 » . ولكن الأستاذ خلّاف بالرغم من انتقاده للإجماع طبقا للنظرية القديمة ويرى عدم تحققه طبقا للشروط الموضوعة له ، فإنه يؤكد في مناسبة أخرى أن الإجماع هو المصدر التشريعي الأكثر غنى وخصبا الذي يضمن تجديد التشريع ، ويسمح للأمة بمواجهة الحوادث الطارئة والمواقف الجديدة التي قد تحصل « 2 » . لاحظ « جولدزيهر » - بثاقب نظره - ما للإجماع من أهمية بالغة في تطوير الفقه الإسلامي وتجديده . ويصفه بأنه يحتوي على بذور التحرر للحركات الإسلامية الحرة والتطورات المستطاعة ، فهو يقدم ، ضد دكتاتورية الجمود وقتل الشخصية ، قوة للتعادل ، وقد حقق على الأقل في الماضي كعامل مهم مطابقة الإسلام للعصر وقتئذ . ويرى « جولدزيهر » أن الإجماع ملحوظ عند مجددي الإسلام في عصرنا ، فهو الباب الذي يجب عن طريقه أن تنفذ إلى بناية الإسلام عوامل القوى الشابة « 3 » . إن النظرية التقليدية للإجماع لا تهمنا إلّا في إطار ما تقدمه لنا من حجية وإمكانية وقوعه سابقا وبيان أركانه وشروطه . ولكن السؤال الذي يهمنا الإجابة عنه الآن : هل يمكن تحقيق الإجماع في العصر الحاضر ؟ وإذا كان ذلك ممكنا فكيف يتم ؟ .
هامش
( 1 ) عبد الوهاب خلاف ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 50 . ( 2 ) عبد الوهاب خلّاف ، التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه . القاهرة ، عام 1955 ، ص 140 ، ويؤسفنا عدم اطلاعنا على النص الأصلي لهذا الكتاب . وقد ترجمنا العبارة المذكورة في كتابه من الفرنسية من كتاب حجية الإجماع لمؤلفه كمال منصور المكتوب باللغة الفرنسية والذي أشرنا إليه آنفا . انظر ص 162 من هذا الكتاب . ( 3 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، المرجع السابق المترجم ، ص 54 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 520 | ساسي سالم الحاج