تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
إلى كثير من الأحكام التي نحن في أمس الحاجة إليها في الوقت الحاضر ، وهكذا استطعنا البرهنة على أن المصدر النقلي والرئيس للفقه الإسلامي وهو القرآن الكريم لا يزال استعماله ممكنا في أي عصر من العصور ، لاستجلاء القواعد الجزئية من القواعد الكلية التي يحتويها . فإذا تركنا القرآن وفحصنا السنة باعتبارها المصدر النقلي الثاني للتشريع الإسلامي وجدنا أنه لو أحسنّا استخدام الصحيح والثابت منها في وقتنا الحالي لسمحت لنا بإيجاد العديد من الأحكام الشرعية التي يمكننا تطبيقها على الحوادث التي تلمّ بنا في هذا العصر الذي نعيش فيه وفي غيره من العصور اللاحقة . فالسنة بأنواعها المختلفة من قولية وفعلية وتقريرية تعتبر المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم . فهي تفسر القرآن وتبيّن مجمل نصوصه ، وتفصل كليات أحكامه ، وتنسخ بعضا منها . وعلى المجتهد أن يتعرف إلى المنهجية التي تبين مقام السنة من الكتاب ، حتى يتمكن بواسطتها من استنباط الأحكام الشرعية من هذا الدليل . وقد اتفق الفقهاء ومن يعتدّ به من أهل العلم على أن السنة مستقلة بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام ، تطبيقا للآيات القرآنية التي تضعها في مرتبة الوحي الإلهي حتى قال « الأوزاعي » : « الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب » وقال ابن عبد البر : « إنها تقضي عليه وتبين المراد منه » . وقال يحيى بن أبي كثير : « السنّة قاضية على القرآن » « 1 » . وعلى المجتهد التعرف إلى أنواع السنة وأقسامها ، وكيفية الأخذ بها ، ومكانتها من القرآن الكريم ، والأهم من ذلك كله أن يتعرف إلى الأحاديث الثابتة من الأحاديث الموضوعة ، وذلك استنادا إلى علم الجرح والتعديل . وعليه أن يطلع على نقد الأحاديث من حيث سندها ومتنها حتى يستخرج الموضوعة من الصحيحة منها ، فإذا فعل ذلك فإنها تؤلّف ميدانا واسعا للاستنباط والاستدلال في كل زمان ومكان . فلو تركنا المصادر النقلية وانتقلنا إلى بقية المصادر العقلية لوجدناها أكثر ملاءمة للاجتهاد وفي جميع العصور ، ولاستنبطنا منها الأحكام الشرعية في كل زمان ومكان ، ولبرهنا من خلالها على أصالة الفقه الإسلامي وصلاحيته لمجابهة جميع الحوادث والنوازل المستجدة .
هامش
( 1 ) الشوكاني ، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق عن علم الأصول ، دار المعرفة ، بيروت ، ص 33 ، بدون تاريخ .