ولكنها تحتوي على الخاص لوصف بعض منهم بالتقوى وهم أكرمهم عند اللّه « 1 » .
وهكذا فإن من القرآن ما هو عام الظاهر ولكنه يجمع العام والخصوص .
بيّن لنا « الشافعي » في رسالته الأصولية أن هناك ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص . وقد مثل له « الشافعي » بقوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
« 2 » فسياق الآية يشير إلى أن المراد من الناس بعض الناس ، ومحال أن يكون المراد من كلمة الناس جميع الناس ، لأن المخبر غير المخبر عنه ، والدلالة واضحة من أنه إنما جمع لهم بعض الناس دون بعض « 3 » .
ولم يقتصر « الشافعي » على بيان ما أنزل من القرآن عامّا يراد به العام ويدخله الخصوص ، وما نزل من الكتاب عام الظاهر وهو يجمع العام والخصوص ، وما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص ، وما أنزل من القرآن يبيّن سياقه معناه ، ولكنه وضّح بشكل جلي ما نزل من القرآن عامّا فدلّت السنة خاصة على أنه يراد به الخاص . وقد مثّل « الشافعي » لهذه الحالة بالعديد من آيات المواريث وخاصة الآيتين الحادية عشرة والثانية عشر من سورة النساء . فظاهر هاتين الآيتين يفيد أن الوارثين سواء أكانوا أولادا أم آباء أم غيرهم يرثون ، سواء اتحد الدين أو اختلف ، وسواء أكان المدلّى بسبب الإرث قاتلا أم غير قاتل فجاءت السنة وبينت أن المسلم لا يرثه إلّا المسلم ، وأنه لا ميراث لقاتل ، وأن الوصية لا تزيد على ثلث التركة ، فكانت الآيات مخصصة لما نزل عامّا من القرآن « 4 » .
وهكذا لو أخذنا بهذه الأحكام التي بثّها « الشافعي » وفهمناها حقّ فهمها لاستطعنا أن نستنبط العديد من الأحكام الشرعية عن طريق القرآن الكريم . ولطبقنا هذه الأمثلة على ما يستجد لدينا من حوادث ونوازل طارئة متجددة . ولما جمد الفقه الإسلامي وأصبح يراوح في مكانه بينما تتطور القوانين الوضعية طبقا لتطورات المجتمعات البشرية باعتبارها مرآة عاكسة لها . ونحن قد أطنبنا في ما ذهب إليه « الشافعي » من تفصيل لفهم أحكام القرآن حتى نبرهن على أن استخدام هذه المنهجية تتيح لنا التعرف
هامش
( 1 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 56 - 58 .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 173 .
( 3 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 58 - 59 .
( 4 ) الشافعي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 64 - 66 .