تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
المقابلة . ولقد صدق « ابن خلدون » عندما قال : « إن علم أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا ، وأكثرها فائدة » . ولم يقل رحمه اللّه : إن علم الفقه كان كذلك . وهذا يدل على أهميته في كل زمان ومكان لأننا نتمكن به من تجديد الفقه الإسلامي وبعثه من ركوده وتحريكه من سكونه وتذويبه من جموده . فإذا كان لعلم أصول الفقه هذه الأهمية المطلقة ماضيا وحاضرا ، فكيف نتمكن من استخدام مصادره النقلية والعقلية لاستنباط الأحكام الشرعية في أي وقت وأي مكان ؟ . هذا ما سنحاول البرهنة عليه في ثنايا هذا المطلب . دعنا نتناول الأصل الأول من أصول علم الفقه وهو الكتاب ، فنجده يحتوي على العديد من الأحكام الكلية التي تتناول العبادات بصورة مفصلة والمعاملات بصورة مجملة . وهذه المبادئ الكلية عندما نتمكن من خلال تطبيقها على مثيلاتها نجد حلولا للعديد من المشاكل الجزئية التي تندرج تحتها . فالقرآن الكريم فيه بيان لكل شيء ، وهو يحتوي على سائر الأمور التعبدية والمدنية ، ولكن الأمر يحتاج إلى معرفة واسعة وعلم غزير لاستنباط الأحكام الشرعية من آياته لأنه هو المرجع الأول للفقه فهو يحتوي - كما ذكرنا - على القواعد الكلية وكثير من التفصيلات الخاصة بها ، حتى قال ابن حزم عنه : « كل أبواب الفقه فيه ليس منها باب إلّا وله أصل في الكتاب ، والسنة تعلنه » « 1 » . وقال عنه سبحانه وتعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
. ومعنى ذلك أنه ليس هناك أمر من أمور الأحكام إلّا فيه ، وإذا كان القرآن هو كلي هذه الشريعة فلا بد أن تكون التفصيلات فيه قليلة وهو الدور الذي أنيط بالسنة بيانها . والقرآن الكريم جاء بالكثير من الأحكام التي يمكن إرجاعها إلى أنواع ثلاثة : أحكام اعتقادية ، وقد فصّل فيها القول تفصيلا . وأحكام خلقية : وهي واضحة الدلالة لا تهمنا كثيرا إلّا بمقدار اختلاطها بأحكامه لتكوين قواعد فقهية . وأحكام عملية : وهي تتعلق بما يصدر عن المكلّف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات ، وهو المقصود بعلم أصول الفقه . ولو فحصنا ما احتواه القرآن من أحكام عملية لوجدنا أنه يتناول أحكام الأحوال الشخصية ، وآياتها في القرآن نحو سبعين . ويتناول الأحكام المدنية المتعلقة بمعاملات
هامش
( 1 ) ذكره الشيخ محمد أبو زهرة ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 91 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 514 | ساسي سالم الحاج