تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
وتقابل طريقة الحنفية طريقة المتكلمين ، حيث تقوم على تقرير القواعد الكلية التي دل عليها الدليل النقلي أو الدليل العقلي بغض النظر عن موافقة تلك القواعد الكلية أو مخالفتها للفروع الفقهية ، فكانوا لا يتقيدون في ذلك بمذهب إمام معين أو آرائه الفقهية ، ولا يشغلون بالبحث في المسائل الفقهية إلّا عرضا . والسبب في ذلك أن علماء الكلام الذين كتبوا وألّفوا في علم الأصول كانوا ينتسبون إلى عدة مذاهب إسلامية فمنهم المعتزلة والشافعية ، والمالكية . وتمتاز طريقة المتكلمين بالإقلال من ذكر الفروع الفقهية والميل إلى الاستدلال كلّما أمكن ذلك . وأشهر الكتب الفقهية التي ألّفت على هذه الطريقة كتاب « المستصفى » للغزالي ، وكتاب « الأحكام » للآمدي ، وكتاب « المنهاج » للبيضاوي « 1 » . وتوالت مصنفات علم الأصول طبقا لطريقتي الحنفية وعلماء الكلام . وقد وصل هذا العلم إلى ذروته في عهد الإمام الغزالي الذي ألّف فيه « تهذيب الأصول » مطولا ، و « المنخول في علم الأصول » مختصرا ، و « المستصفى في علم الأصول » والذي بلغ فيه القمة في كتابته وتفصيل أحكامه وبيان العلم الرباعي فيه ، وقد شفعه بمقدمة طويلة عن المنطق ، واصفا إياه بأنه مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط به فلا ثقة له بعلومه أصلا « 2 » . وهذا يدل على تأثر الغزالي عند كتابته لعلم الأصول بالمنطق اليوناني وقد ذكر ذلك جليّا في حديثه عن القياس الذي بناه على أعمدة وقوائم ذلك المنطق خلافا لمنهج الشافعي الذي لم يتأثر بأية مؤثرات خارجية ، باعتباره منهجا إسلاميّا عربيّا خالصا نقيّا من كل الشوائب . ولعل أهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد أن الغزالي عندما حدد البنيان الرباعي لهذا العلم فإنه رأى أن أدلة الأحكام هي أربع : الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، ودليل العقل ، ولم يقل القياس « 3 » . وتطور علم الأصول ابتداء من رسالة « الشافعي » حتى أخذ العلم بناءه الرباعي .
هامش
( 1 ) أ - عمر عبد اللّه ، سلم الوصول لعلم الأصول ؛ دار المعارف بمصر ، الطبعة الأولى ، 1956 ، ص 17 . ب - زكي الدين شعبان ، المرجع السابق ، ص 22 . ج - عبد الوهاب خلّاف ، المرجع السابق ، ص 18 . د - محمد أبو زهرة ، المرجع السابق ، ص 20 . ( 2 ) الإمام الغزالي ، المستصفى في علم الأصول ، المطبعة الأميرية ببولاق ، الطبعة الأولى ، 1322 هجرية ، ص 10 . ( 3 ) الغزالي ، المستصفى ، المرجع السابق ، ص 100 .