وقد غلب على معظم المصنفات مجرد عرض المادة على طريقة القدماء . ثم تحولت هذه المادة إلى أبواب وفصول وأقسام وكتب سبعة في « إرشاد الفحول » للشوكاني ، واثني عشر في « المنخول » للغزالي ، وأربعة عشر في أصول « السرخسي » ، وعشرين في أصول « القرافي » ، وأربعين في « الإحكام » لابن حزم . ولكن البناء الرباعي قد فرض نفسه على مادة علم الأصول في المستصفى للغزالي ، وفي « الأحكام » للآمدي ، وفي « الموافقات » للشاطبي « 1 » .
وهكذا فإن الغاية من وضع أصول الفقه هي : الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية الفرعية ، ومعرفة كيفية استنباطها من أدلتها ومصادرها الشرعية على وجه يعصم المجتهد من الوقوع في الخطأ حينما يجتهد ويستنبط الأحكام الشرعية وسائر الأدلة الأخرى . فالمجتهد عندما يتبع القواعد الكلية المقررة في علم أصول الفقه ، ويتخذ قوانينه أساسا في اجتهاده يكون أخذه الأحكام واستنباطها من أدلتها مبنيّا على قواعد علمية سليمة « 2 » .
لقد رأينا إبّان دراستنا لتطور الفقه الإسلامي أن الأحكام الفقهية قد دونت في كتب المذاهب الإسلامية المختلفة . وقد اقتصر الفقه في عصر التقليد على الأخذ بأقوال الأئمة المجتهدين وآرائهم الفقهية المدونة دونما جهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، خاصة عندما صدرت تلك الفتوى القاضية بغلق باب الاجتهاد عندما خشي علماء ذلك الزمان التصدي للاجتهاد من قبل أناس لا باع لهم فيه . ووازنوا بين ضرر الاجتهاد ممن ليس أهلا له وبين إقفاله نهائيّا منعا للأهواء من اللعب بالأحكام الشرعية ، فاختاروا الحل الأول وأفتوا بقفل باب الاجتهاد ، ومن هنا جاء القول : إن الفقه الإسلامي أصبح جامدا لا يساير التطورات العصرية ، ولا تصلح أحكامه للتقنين الحديث لمجابهة سائر المستجدات الحديثة ، واستعيض عنه بالقوانين الوضعية الغربية التي تشمل فروعا من القوانين تعالج مجالات قانونية لا قبل للفقه الإسلامي بها . وإذا كان الأمر كذلك فما أهمية علم أصول الفقه في العصر الحاضر ؟ . وهل يقدم لنا حلولا لمشاكلنا العصرية حتى نستغني بموجبه عن القوانين الوضعية ؟
هامش
( 1 ) د . حسن حنفي ، دراسات إسلامية ، مقال « في علم أصول الفقه » ، دار التنوير ، بيروت ، ص 57 ، بدون تاريخ .
( 2 ) عمر عبد اللّه ، سلم الوصول لعلم الأصول ، المرجع السابق ، ص 18 .