فالحكم التكليفي هو ما كان أثره يتعلق بالاقتضاء والتخيير . وتقسم الأفعال من هذه الناحية إلى : واجب ، ومندوب ، ومباح ، ومكروه ، وحرام .
أما الحكم الوضعي ، فهو ما كان موضوعا كسبب أو شرط أو مانع للأفعال أو ما يترتب على هذه الأفعال من صحة أو بطلان أو رخصة أو عزيمة « 1 » .
وعلم أصول الفقه - يصفه ابن خلدون - من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة ، لأنه عبارة عن النظر في الأدلة الشرعية التي تؤخذ منها الأحكام والتكاليف . ويحتوي على أصول الأدلة الشرعية وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس . ويراه « ابن خلدون » من الفنون المستحدثة في الملّة لأن السلف الصالح كانوا في غنى عنه لأنهم يعرفون دلالات الألفاظ والأغراض التي تؤدي إليها . كما إنهم لا يحتاجون إلى الأسانيد لقربهم من عهد النبوة . ولكن عندما ذهب الصدر الأول من المسلمين وانقلبت العلوم كلها صناعة احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنّا قائما بذاته سموه أصول الفقه ، وكان أول من كتب فيه « الشافعي » حيث أملى فيه رسالته المشهورة « 2 » .
يكاد يجمع العلماء على أن الإمام « الشافعي » هو واضع علم أصول الفقه بالرغم من ذهاب بعضهم إلى أن هذا العلم كان معروفا قبل الشافعي ، وإن كان لم يعرف بهذه التسمية ولم يطور بهذه الكيفية الفنية التي طوره به الشافعي . ويستدلون على ذلك بأن استنباط الفقه ابتدأ بعد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في عصر الصحابة وكانوا يطبقونه دون أن يضبطوه كما فعل « ابن مسعود » وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وغيرهم . ثم تطور هذا الاستنباط في عصر التابعين ومن جاء بعدهم فأخذوا ينهجون مناهج علمية ويتخذون من المصلحة والقياس أساسا لإيجاد الحلول لكثير من الحوادث التي تواجههم ، فاستخرجوا علل الأقيسة وضبطوا أحوال المصالح وفرّعوا عنها . وتبلورت هذه الطريقة في عهد الأئمة المجتهدين فكانوا يأخذون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة على نحو واضح وإن لم يضبطوا قواعدها ضبطا علميّا محكما ، حتى جاء الإمام « الشافعي » فاستخدم عبقريته النادرة حتى أصّل القواعد لهذا العلم المستحدث
هامش
( 1 ) صبحي محمصاني ، فلسفة التشريع في الإسلام ، المرجع السابق ، ص 820 .
( 2 ) ابن خلدون ، المقدمة ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، 1971 ، ص 378 - 379 بتصرف واختصار .