ووضع قواعده ، وأبان عن رسمه وحده وأخرج لنا علما جديدا فريدا في نوعه حتى قوبل في هذا الصدد بكبار مفكري البشرية كأرسطو وغيرهم ، وجعله يتبوأ تلك المكانة السامية في الأمة الإسلامية حتى وصف بأنه أعظم شخصية أنجبتها هذه الأمة على مر العصور .
كان منهج « الشافعي » في رسالته الأصولية منهجا عربيا إسلاميا خالصا لا أثر فيه للفلسفة اليونانية أو المنطق اليوناني ، لما حباه اللّه من صفات العلم والمعرفة التي أهّلته لأن يخرج لنا هذا العلم الذي سيبقى على مر الدهور أداة فعالة لتطوير الفقه ونموه واستمراريته مجاريا لسائر الحوادث والنوازل الطارئة على البشرية على مر الدهور والعصور .
ثم تطور هذا العلم بعد الإمام « الشافعي » فكتب فيه « الدبوسي » « تقويم الأدلة وتأسيس النظر » ونهج فيه هو الآخر منهجا إسلاميا خالصا بعيدا عن جميع المؤثرات الخارجية مهما كان نوعها أو مصدرها . وكتب فيه أيضا « شمس الأئمة السرخسي » كتاب الأصول . كما صنف فيه فخر الإسلام « علي بن محمد البزدوي » وهؤلاء العلماء صنفوا في علم الأصول تلك المؤلّفات التي ما زالت نبراسا يهتدي به العلماء إلى يومنا هذا على الطريقة الحنفية التي تمتاز بتقرير القواعد الأصولية التي ظنوا أن الأئمة قد ساروا عليها في اجتهادهم ، وتفريع المسائل الفقهية وإبداء الحكم فيها . فعمد هؤلاء الأصوليون إلى الفروع الفقهية المنقولة عن أئمة المذهب الحنفي فجمعوا المتشابه منها بعضه إلى بعض واستخلصوا منها القواعد والضوابط وجعلوها أصولا لمذهبهم ، ليؤيدوا بها الفروع الفقهية المنقولة عن أئمتهم ولتكون سلاحا لهم في الجدل والمناظرة وعونا لهم على استنباط أحكام الحوادث الجديدة التي لم يعرض لها أئمتهم في اجتهاداتهم السابقة . وقد أدّى بهم ذلك إلى أنهم كانوا يقررون القواعد الأصولية على مقتضى الفروع المنقولة عن أئمة المذهب ، وإذا قرروا عادة ثم وجدوها تتعارض مع بعض الفروع المقررة في المذهب عدّلوها وشكّلوها بالشكل الذي يتفق مع ذلك الفرع الفقهي « 1 » .
هامش
( 1 ) أ - زكي الدين شعبان ، المرجع السابق ، ص 17 .
ب - محمد أبو زهرة ، المرجع السابق ، ص 21 .
ج - عبد الوهاب خلّاف ، علم أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 18 .