يصعب الرجوع إلى أحكامه وتلمّس الحلول من خلالها . كما ذهب هؤلاء القوم إلى القول : إن الفقه الإسلامي لا يشتمل على ما جد في هذه الأيام من معاملات ومشاكل وآراء كالتأمين على الحياة ، ونظام التجارة العالمية ، والمصارف المحلية والدولية ، والنظام الاقتصادي العالمي وغيرها من القضايا التي لم تكن معروفة زمن نموه وتطوره .
كما إن الفقه الإسلامي أصبح لا يساير نظام العقوبات الحديث الذي استقر في العالم على الابتعاد قدر الإمكان عن العقوبات البدنية واستبدالها بعقوبات أخرى معنوية ، فهو مليء بالعقوبات المادية القاسية كالرجم وصلب المحارب ، وقطع يد السابق ، والجلد وغيرها من العقوبات التي لا تقرّها المدنية الحديثة ومبادئ حقوق الإنسان العالمية .
سنحاول في هذا المبحث إثبات صلاحية الفقه الإسلامي في كل زمان ومكان وذلك طبقا للأدوات التي يمتلكها والتي تساعده على مسايرة التطور الذي شمل جميع مناحي الحياة ، هذه الأدوات التي خلقها فقهاء المسلمين وابتكروها ابتكارا والتي تحتوي على مبادئ عامة وقواعد كلية تجعل من الفقه قابلا للتطور ومجاريا للحياة المتجددة ، ويقرر بهذه الأحكام والقواعد والمبادئ ما يحقق المصلحة العامة وما يعود بالنفع على الأفراد والجماعات ، وبنفي ما لا يحقق هذه المصلحة أو يترتب عليه من الضرر والفساد أو ما يكون قائما على الأهواء والشهوات والمصالح الخاصة . ولعل أهم هذه الأدوات علم أصول الفقه والقواعد الفقهية العامة ومناهج الاجتهاد والتجديد الحديثة .
ستكون معالجة هذا المبحث مختلفة عن المباحث السابقة لأنه لا يحتوي على آراء المستشرقين معقبا عليها حالة كون هذه الآراء لم تكن بذلك الوضوح في كتاباتهم وتحليلاتهم كما فعلوا في بقية القضايا الأخرى . والباحث يستطيع أن يستشف بطريقة غير مباشرة هذه الأفكار التي روجوا لها وبذلوا جهدهم لترسيخها في أذهان المسلمين :
بأن فقههم لا يساير مستجدات العصر الحاضر . كما أننا إبّان استعراضنا لهذه الأدوات الفقهية - التي تجعل من الفقه الإسلامي صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان - لا تذهب بنا التفصيلات والاستطرادات كل مذهب ، بل نحاول أيضا الاختصار والإيجاز قدر الإمكان للتركيز على المصادر الأصولية التي تساعدنا على إيجاد الحلول العلمية للحوادث والنوازل المستجدة كالقياس والاستحسان والاستصلاح وسدّ الذرائع والعرف وغيرها من المصادر التي يمكننا بفضل ما تحتويه من مبادئ عامة وقواعد كلية إيجاد الحلول الناجعة لكل ما يواجهنا من مشكلات .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 506
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٠٦