دراستنا لتطور الفقه الإسلامي عن أنه قد وقف عن النمو في عصر التقليد خاصة بعد غلق باب الاجتهاد ، وأصبح بالتالي جامدا لا يساير متطلبات ومستجدات وحوادث الحياة المعاصرة ، حتى لجأ المسلمون إلى القوانين الغربية يستقون منها ما ينظمون به حياتهم بعد أن تركوا الفقه جانبا ، خاصة وأن الأقطار الإسلامية وقعت الواحدة تلو الأخرى تحت الاحتلال الغربي المعاصر فجلب لها عاداته وتقاليده وثقافته وبالتالي قوانينه وطرق معيشته وكل منحى من مناحي حياته .
نعم لقد ظهرت دعوات إصلاحية في العصر الحاضر تنادي بضرورة تجديد الفقه الإسلامي واستخدام أدواته العديدة التي تساعد على استنباط الأحكام الشرعية طبقا لمستجدات العصر الحديثة ، واستفراغ الوسع وبذل الجهد لتطبيق القواعد الفقهية العامة على الحوادث الحاضرة لإيجاد الحلول الناجعة لها . وإعادة فتح باب الاجتهاد على مصراعيه حتى يتمكن القادرون من أهله على الاجتهاد من جديد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية .
وإذا كانت دراستنا السابقة انتهت بنا إلى محاولة أولئك المصلحين الذين بذلوا وسعهم من أجل تقنين الأحكام الشرعية الإسلامية وإحلالها محل القوانين الغربية الموضوعة ، وإخراج الفقه من جموده وتحجره الذي استمر قرونا طويلة على هذا المنوال ؛ قد خرجت علينا العديد من الصيحات غربية كانت أم شرقية توهم أنّ الشريعة الإسلامية ليست صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ، وأن أحكامها لا تناسب مستجدات العصر الحاضر الملئ بالعلوم والمخترعات واكتشاف الفضاء وظهور نظريات علمية حديثة قلبت موازين العلم والمعرفة السابقة ، خاصة أن أصحاب هذه الصيحات يعتقدون أن الفقه الإسلامي ليس قواعد كلية وإنما هو حلول جزئية لمشاكل فردية استنبطها المجتهدون لعلاج هذه المشاكل ، وعلى هذا فلا يصلح أن يكون أساسا للتقنين ومصدرا للتشريع . كما أن الفقه الإسلامي لا يشتمل على بعض فروع القوانين الوضعية المختلفة التي تواجه الحياة الحاضرة بما فيها من تعقيدات وأحكام لا قبل له بها كالقانون الدولي الخاص والقانون الإداري والقانون المالي والقانون الدستوري وغيرها .
وذهب بعض المستشرقين وبعض الكتاب المحدثين إلى القول : إن فقهاء المسلمين لا يعرفون معنى مصطلح « القانون » وبالتالي فهم مزجوه بالأخلاق ، ولم يدونوا الفقه على هيئة نظريات عامة كما هو موجود في القوانين الوضعية الأمر الذي
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 505
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٠٥