أثبتوا بكل موضوعية وحياد علمي أن الفقه الإسلامي هو بناء إسلامي أصيل لا علاقة له بالمؤثرات القانونية الأجنبية إلّا فيما يتشابه بين الأفكار الإنسانية بصورة عامة . لقد أسعدنا الحظ أن نطلع على مقال « بوسكيه » الذي لم نعرف أن أحدا من المؤلفين العرب اطلع على محتواه فأتينا به من الجزائر وأشرنا إلى معظم أفكاره التي تؤكد جميعا استقلالية الفقه الإسلامي عن الشريعة اليهودية والقانون الروماني والقانون الكنسي .
ويكفينا مساهمة في هذا المبحث إشارتنا إلى هذا المقال وغيره من مقالات المستشرقين الأخرى التي أثبتت أصالة هذا الفقه وسلامته من كل تأثير خارجي كما فعل « نللينو » و « فيتز جيرالد » وغيرهما .
إن دراسة أصالة الفقه الإسلامي لم تبرهن لنا على هوية مصدره فحسب ولكنها برهنت لنا على مجهودات فقهاء المسلمين الذين طوروه وحسنوه ونظموه على مر السنين ووصلوا به من خلال اجتهاداتهم إلى الذّرى ، وجعلوه علما إسلاميّا خالصا منهجا وموضوعا ، واستقلوا بتأصيله وتبويبه وترتيبه على أعلى المقاييس العلمية الحديثة الصارمة . فساهموا بذلك في خلق نظام قانوني عالمي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان . وإذا كان الفقه الإسلامي هو نتاج عبقرية المفكرين المسلمين كما قال « بوسكيه » فإن هذه العبقرية قد ساهمت في خلق مناهج له تؤهله على مسايرة التطور الإنساني على مر العصور بما خلقوا له من أدوات علمية أهلته أن يتبوأ هذه المكانة الخالدة . ولعل أهم هذه المناهج طرا هي أصول الفقه الإسلامي والقواعد الفقهية . فما دورهما في صلاحية الفقه الإسلامي ليساير الحاجات الإنسانية في كل زمان وفي كل مكان ؟ هذا ما سندرسه في المبحث القادم بإذن اللّه .
المبحث الثالث المستشرقون وصلاحيّة الفقه الإسلامي
تطرقنا في دراستنا السابقة إلى تطور الفقه في العصور المختلفة منذ نشأته في بواكير الدعوة الإسلامية إلى يومنا هذا . وقد أبانت لنا تلك الدراسة عن أنه نما وتطور وترعرع طبقا لتطور المجتمع الإسلامي ونموه واتساع رقعته واختلاطه بالثقافات والحضارات الإنسانية الأخرى . وكان الفقه خلال تلك المراحل التاريخية المتعددة والطويلة مرآة عاكسة لتطور المجتمع الإسلامي في جميع مناحي الحياة . وقد أبانت لنا