مرحلة الصحة فإما أن يكون العقد صحيحا منتجا آثاره القانونية وإما أن ينقصه أحد شروط الصحة فيسمى عقدا فاسدا . وهو كما وصفه « قدري باشا » بأنه كان مشروعا بأصله لا بوصفه أي أنه يكون صحيحا باعتبار أصله لا خلالا في ركنه ولا في محله ، فاسدا باعتبار بعض أوصافه الخارجية بأن يكون المعقود عليه أو بدله مجهولا جهالة فاحشة ، أو يكون العقد خاليا من الفائدة ، أو يكون مقرونا بشرط من الشرائط الموجبة لفساد العقد . والعقد الفاسد لا يفيد الملك في المعقود عليه إلّا بقبضه برضا صاحبه » « 1 » . وهكذا فإن العقد الفاسد يضم بعض حالات العقد الباطل بطلانا مطلقا كحالة عدم تحديد محل العقد وبعض حالات العقد الباطل بطلانا نسبيّا كحالة الإكراه « 2 » . وأخيرا يمر العقد بالمرحلة الرابعة وهي مرحلة اللزوم . فيعتبر العقد لازما إذا لم يكن لأحد عاقديه فسخه دون موافقة الطرف الآخر . أمّا العقد غير اللازم فهو الذي يستطيع فيه أحد الطرفين أو كلاهما فسخه . وهكذا فإن الفقه الإسلامي عرف العقد الباطل بطلانا مطلقا ، والعقد الباطل بطلانا نسبيّا ، والعقد الفاسد الذي يعتبر درجة وسطى بينهما . أمّا القانون الروماني فإنه لا يعرف إلّا العقد الباطل بطلانا مطلقا ولم يعرف البطلان النسبي إلّا بعد اندماج القانون المدني بالقانون البريتوري في عهد « جوستنيان » . وهذه التفرقة بين النظامين القانونيين تدل على عدم تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني .
ونحن إذا أطنبنا في إيراد الأمثلة التي تبين الاختلاف بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني - وذلك طبقا للمصادر المتوفرة لدينا - فإن هدفنا بيان عدم العلاقة بينهما خاصة في المسائل الجوهرية ، لأن التشابه والاستعارة التي ركز عليها المستشرقون لا ترجع إطلاقا إلى استمداد أحدهما من الآخر أو تأثره به بمقدار ما يرجع إلى التشابه بين الفكر الإنساني في حد ذاته .
هناك اختلافات أخرى جذرية بين النظامين القانونيين نشير إليها إشارات عابرة للإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه ، منها : « نظرية النيابة » التي لا يعرفها القانون الروماني إلّا بعد تطور طويل وتعديل كبير في أحكامه في العصور اللاحقة على نشأته
هامش
( 1 ) قدري باشا ، مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان مادة 218 .
( 2 ) صوفي أبو طالب ، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني ، المرجع السابق ، ص 185 .