تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
وإذا أجرينا مقابلة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني في مجال الالتزامات ، وجدنا البون بينهما شاسعا . فالقانون الروماني يتميز بالشكلية في إبرام العقود لأنه لا يعتد في بداية الأمر بالاتفاق المجرد الذي لا تنشأ عنه دعوى . ثم ظهرت بعدئذ مجموعات أخرى من العقود مثل : العقود العينية ، والعقود « الرضائية » ، والعقود غير المسماة ، والاتفاقات البريتورية ، والاتفاقات الشرعية أو الإمبراطورية . وفي العصر العلمي ، كان يلتزم الأفراد وقت إبرام عقد من العقود باختيار عقد ينتمي إلى إحدى هذه المجموعات دون أن يكون لهم إنشاء حق جديد لا ينتمي إلى إحداها « 1 » . حدث تطور هام في العصر البيزنطي إذ بدأت القوانين تعترف بالإرادة الضمنية أو الصريحة للمتعاقدين خاصة في مجال العقود غير الرسمية . وأخذ مبدأ سلطان الإرادة يلعب دوره في إنشاء العقود ما دام لم يتجاوز الحدود التي رسمها القانون لذلك العقد ، بل أصبح في مقدور سلطان الإرادة عن طريق اتفاق صريح ، أن يغير من الآثار الطبيعية للعقد . وبرغم ظهور هذا الاتجاه الذي يأخذ بمبدإ سلطان الإرادة فإن الرومان حتى في عصر « جستنيان » ، لم يقرروا الأخذ بذلك المبدأ « 2 » . أمّا بالنسبة إلى الفقه الإسلامي فهو لا يعرف الشكليات أو الرسميات في العقود ، ويكفي لانعقادها توافر الرضا لدى الطرفين المتعاقدين . وهو كما قال عنه « نللينو » إن العقد في الفقه الإسلامي هو عقد لازم بالقول
Contrat Consensuel
حالة كونه مبنيّا على العديد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية « 3 » . فالعقد في الفقه الإسلامي عبارة عن ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه . أي أن الإيجاب والقبول وحدهما كافيان لتكوين العقد دونما حاجة إلى أية إجراءات أخرى شكلية أو رسمية . وهذه القاعدة مبنية على القواعد الخلقية التي تأخذها الشريعة الإسلامية بعين الاعتبار خلافا
هامش
( 1 )Schultz , Classical Roman Law , Oxford , 1951 , p . 471 .ذكره الدكتور صوفي أبو طالب ، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني ، المرجع السابق ، ص 159 . ( 2 ) صوفي أبو طالب ، المرجع السابق ، ص 159 . ( 3 ) نللينو ، نظرات في علاقات الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني ، المنتقى من دراسات المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 52 .