على ألّا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب . فتصدق بها عمر في الفقراء وفي الرقاب وفي سبيل اللّه وابن السبيل والضعيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه « 1 » . كما استدل الفقهاء على أصل وجود الوقف بالأحاديث النبوية التي تدل على فضل الصدقات الدائمة كقول الرسول : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاثة أشياء ، صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » « 2 » . واستدلوا كذلك بما روي عن جابر بن عبد اللّه أنه قال : « ما أعلم أحدا من المهاجرين والأنصار كان له مال إلّا حبس من ماله صدقة مؤبدة لا تشترى ولا توهب ولا تورث » « 3 » . وقد استمر عمل الأمة الإسلامية من أيام الصحابة والتابعين ومن بعدهم على اعتبار الوقف لازما فكان ذلك إجماعا منهم على ذلك .
فالوقف هو نظام إسلامي خالص لا علاقة له بالقانون الروماني ولا حتى بالفقه الجاهلي الذي أبطل القرآن الوقف الذي كانوا يأخذون به طبقا لنص الآية الكريمة :
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
« 4 » .
وهكذا فإن الوقف بمعناه الشرعي يعتبر تشريعا إسلاميا لم يكن أهل الجاهلية يعرفونه . كما أنه لم يكن مستمدا من القانون الروماني لأن إقرار الوقف صدر عن واقعة عمر وعن أحاديث الرسول وهذه المسائل حصلت بطبيعة الحال قبل فتوح الشام وتنتفي بالتالي أية حجة تريد إرجاعه إلى القانون الروماني .
أمّا عن التشابه الذي لاحظه بعض المستشرقين بين نظام الوقف الخيري ونظام المؤسسات الدينية فهو تشابه ظاهر كما يقول « صوفي أبو طالب » . فالقانون البيزنطي عرف نظام مؤسسات الكنيسة والمؤسسات الخيرية التي تقوم على رعاية الفقراء والمحتاجين والعجزة فتخصص لها مجموعة من الأموال لصرفها في وجوه البر ، وهذا هو نفس الوضع بالنسبة إلى الوقف الخيري الإسلامي . ولكن هذين النظامين مختلفان
هامش
( 1 ) عبد الجليل القرنشاوي ، دراسات في الشريعة الإسلامية ، منشورات جامعة قار يونس ، ص 254 - 255 ، بدون تاريخ .
( 2 ) الشوكاني ، نيل الأوطار ، ج 6 ، ص 22 .
( 3 ) ابن قدامة ، المغني ، ج 5 ، ص 544 .
( 4 ) سورة المائدة ، الآية : 103 .