دليلا للبرهنة على تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني من أنهم أهملوا الاختلافات التي قد توجد بين مذهب وآخر ، وهي أحيانا ذات أهمية فيما بين مذاهب أهل السنة الأربعة . فإذا كانت هناك مماثلة بين رأي مذهب وبين القانون الروماني ، فربما لا يكون تشابه بين رأي المذاهب الثانية في بعض المسائل وبين القانون الروماني . وبسبب هذا ذكر بعض الذين لم يعرفوا العربية مثل « داريست
Darest
» و « كوهلر
Kohler
» خصائص مذهب واحد من المذاهب كأنها عناصر نموذجية في الفقه الإسلامي . كما أن القائلين بهذه الحجية يصطادون بكل جهد المتشابهات ، ويهملون الإشارة إلى الاختلافات التي تصير محكّا بين قيمة المتشابهات وقدرها . وأخيرا فإن هؤلاء القوم أهملوا الفرق العظيم الذي يوجد بين الغرب القديم وبين العالم الإسلامي في تصور القانون ومصادره . فقد توجد أمثلة من الأفكار والمؤسسات التي كانت راسخة ومنتشرة في العالم الهلليني الذي فتحه العرب ، هذا العالم الذي قيل إن حضارة المسلمين قد تأسست عليه . ومع ذلك فإن هذه الأفكار والمؤسسات لم تنجح في النفاذ إلى الفقه الإسلامي . ومثال ذلك ؛ إنه من المعروف أن البيع والشراء عند اليونان عقد فعلي
Contrat reel
ولكن مذاهب الفقه الإسلامي أجمعت على أنه عقد لازم بالقول
Contrat consensuel .
وليس هذا الاختلاف ناتجا عن أن المسلمين رجعوا إلى القانون الروماني القديم . ولا عن أنهم فرقوا بين عقد بالفعل وعقد بالقول ، بل إن هذا مبني على الآية القرآنية :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
« 1 » . وعندما استولى العرب على أخصب مقاطعات الدولة الرومانية وجدوا فيها الرهن العقاري شائعا . ولم يدخل هذا النظام القانوني إلى الفقه الإسلامي إلّا في زماننا هذا سبب التشريع الإسلامي « 2 » . وباختصار فإن المتشابهات لا تدل إلّا على ما بين البشر من وحدة أساسية في التفكير كما يقول « سنتلانا » « 3 » .
لقد أشرنا في المطلب السابق باقتضاب إلى ما قيل من تشابه بين الفقه الإسلامي
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 29 .
( 2 ) نللينو ، المقال السابق ، ص 51 - 52 .
( 3 )D . Santillana : Code civil et commercial Tunisien ( avant - propos ) . Tunis ; 1988 p . XII .