تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
والقانون الروماني في لغة التعبير وفي بعض الاصطلاحات القانونية ، وحاولنا البرهنة على عدم صحتها . وسنحاول في هذا المطلب بيان ما قيل عن التشابه في الأفكار القانونية ثم نحدد بدقة تلك الاختلافات العميقة بينهما حتى نثبت استقلالية وأصالة الفقه الإسلامي . فمن بين مواضع الشبه التي يستدل بها على تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني تلك القاعدة الثبوتية القائلة : « البيّنة على من ادعى واليمين على من أنكر » . عرفت هذه القاعدة عند العرب الجاهليين ، وهي قاعدة تفيد أن الأصل في الإنسان براءة الذمة وعدم المسؤولية ، وهذا الأصل متفق عليه في جميع الشرائع ، ومنصوص عليه في القوانين الرومانية واليونانية . وقد قيل : إن « قس بن ساعدة الإيادي » أحد الخطباء المشهورين والحكماء المعروفين ، هو الذي وضع هذه القاعدة فصارت سنة منذ ذلك اليوم « 1 » . وقد أقر الإسلام هذه القاعدة كما أقر غيرها من القواعد المتعلقة بأصول المحاكمات لأنها أصول تتفق والمنطق والعدل . وقد وجدت القاعدة الرومانية الشبيهة بها والقاضية بأن المدعي هو المكلف بالإثبات ، وأن المنكر لا يلزم بإثبات ، وأن المدعى عليه بدفعه الدعوى يصبح مدعيّا « 2 » . ومعنى ذلك أنك إذا ادعيت على شخص دينا فأنت المكلّف بالإثبات لأنك مدّع ، وقبل أن تثبته ما على المدعي سوى الإنكار ، وعند إثباته إذا ادعى البراءة وجب عليه إثباتها لأنه أصبح مدعيا بها « 3 » . وهكذا فإننا نستطيع الجزم بأن هذه القاعدة كانت في الأصل مطبقة لدى الجاهليين قبل الإسلام ، وأنها عبارة عن مثل عربي قديم أثبت في الحديث الشريف « البينة على من ادعى واليمين على من أنكر » « 4 » . ومن المعروف أن الأحاديث النبوية أقدم تاريخا من الفتوحات الإسلامية في البلاد التي كانت خاضعة للإمبراطورية
هامش
( 1 ) الميداني ، الأمثال ، الجزء الأول ، ص 99 . ( 2 )Actori in coumbit onus Propandi Negantis naturali rotione nulla est propatio Reus in exceptione Fit actor .( 3 ) أحمد نشأة ، رسالة الإثبات ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، الجزء الأول ، 1972 ، ص 70 . ( 4 ) رواه السيوطي ، في الجامع الصغير رقم 3225 و 3226 ، نقلا عن الترمذي والبيهقي ؛ ذكره صبحي محمصاني ، في كتابه « فلسفة التشريع الإسلامي » المرجع السابق ، ص 249 .