أمّا من حيث الاعتداد بالكتابة من عدمه ، فإن « فيتز جيرالد » يرى أن الكتابة لم تكن تحتل منزلة كبيرة في الفقه الإسلامي قبل العثمانيين . لأن كل عمل قانوني كان ينبغي أن يحصل شفويّا متى كان ذلك ممكنا ، وهكذا أصبحت قيمة الشهادة الكتابية أقل من الشهادة الشفوية ، وإن فكرة التوثيق غير معروفة بالكلية عند فقهاء الشريعة في القرون الأولى للنظام الإسلامي . وهذه الأمور مخالفة للقانون الروماني الذي ينص على ضرورة التوثيق كما في الوصية الرومانية بشهودها السبعة أو وثيقة الطلاق العبرية ، وهذه الفكرة تنفي في حد ذاتها تلك الاستعارة المزعومة ، ومن هنا يمكن الجزم بعدم وجود مؤثرات أخرى غير ما ذهب إليه الكتاب المسلمون بكل دقة ، والقول بغير ذلك يكون افتراضا لا حقيقة له .
وأخيرا فإن الفقه الإسلامي يختلف من حيث طابعه ومقاصده عن القانون الروماني ، فالشريعة الإسلامية عبارة عن نظام من المسائل الفقهية الدقيقة نظر إليها من حيث علاقة النفس الإنسانية الخالصة باللّه ، ولهذا فهي تشمل العبادات وحتى المعاملات التي تضمها كالبيع والرهن مثلا نراها كثيرا ما تسمح بمظهر الاتفاق بين الطرفين فيما بينهما على وجه يجعل لها صبغة دينية . بينما يقوم القانون الروماني على التجرد والطابع العلمي البحت ، وهو من صنع الفقهاء القانونيين « 1 » .
وعندما يتعرض « بوسكيه » لتلك المتشابهات والاستعارات المادية بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني والتي أكّد « جولدزيهر » و « سنتلانا » بموجبها تأثر الأول بالتالي فإنه ينفي هذا التأثر جملة وتفصيلا . ويرى أن « جولدزيهر » « العظيم » نفسه لم يميز بين الاستعارات المادية والروحية بين النظامين القانونيين وهو أمر ذو أهمية بالغة لإثبات هذا التأثير . أمّا ما ذهب إليه « سنتلانا » من تلك المقابلات التي عقدها بين ما ورد في كتاب « خليل الفقهي » وبين القانون الروماني فإن « بوسكيه » يرفضها جملة وتفصيلا ، ويصرح بأنه حتى ولو قام الفقهاء المسلمون بنسخ هذه الأمثلة من القانون الروماني فإن مبدأ التأثير لا يبقى قائما دوما بين النظامين القانونيين . وبعد أن يأتي « بوسكيه » بأمثلة عن كيفية استعارة القوانين الأجنبية بعضها من بعض كترجمة القانون
هامش
( 1 )Fitz Gerald , the alleged debt of Islamic Law to romain Law , op , cit .ذكره محمد يوسف موسى في كتابه « المدخل لدراسة الفقه الإسلامي » ، المرجع السابق ، ص 112 - 111 .