تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
اعتقد المستشرقون أن هؤلاء الفقهاء الرومان أصبحوا يؤلّفون على مر الزمان هيئة من المستشارين والمفتين تصبح لآرائهم وفتاويهم القوة الإلزامية للقضاة شريطة أن تكون آراؤهم « متفقة مجتمعة » . وهكذا يرون ظهور فكرة الإجماع
Consensus
في القانون الروماني « 1 » ، والتي استقاها الفقه الإسلامي - عندما اعتبر الإجماع مصدرا من مصادره الرئيسة - من خلال الثقافة الإغريقية « 2 » . وإذا كنا نعرف أن « الإجماع » كمصدر من مصادر الفقه الإسلامي يختلف عما أتينا على سرده اختلافا تاما ، لأنه يستمد فكرته الأساسية وحجته الرئيسة من أحاديث الرسول المختلفة ومن النصّ القرآني في بعض الروايات المنسوبة إلى الشافعي بينما إجماع الرومان
Opinio Prodentuim
يقوم على اتفاق العلماء على فتوى من الفتاوى أو استشارة من الاستشارات القانونية التي يقدمونها للعامة أو للإمبراطور طبقا لتطوره خلال العصور الرومانية التي أشرنا إليها . كما أن الغاية من الإجماع في الإسلام هي احترام إرادة الجماعة المسلمة في جميع شؤونها وإعطاء قراراتها الإجماعية ما تستحقه من احترام وتنفيذ باعتبار أن الأمة قاطبة لا تجتمع إطلاقا على خطأ أو ضلالة بينما الإجماع الروماني يتقصر على آراء وفتاوى الفقهاء دون سواهم والغرض منه حصر السلطات التشريعية في يد الإمبراطور ومن يعمل تحت سلطانه ، وتجريد آراء الآخرين من كل سلطة ونفوذ « 3 » . إن « الإجماع » طبقا للنظرية الإسلامية هو إجماع الأمة الإسلامية قاطبة على أمر من الأمور الدينية ، وقد كان هذا هو الأصل وبالتالي فإنه ليس هناك امتياز في التشريع يمنح لطبقة معينة ، لأن الأمة بكاملها تشرع لنفسها طبقا لما تراه من مصلحتها ، ولكن عندما اتسعت الأمة الإسلامية ، وتعقدت القضايا المطروحة دعت الضرورة إلى الاقتصار على إجماع « الفقهاء المجتهدين » باعتبارهم هم المؤهلين لذلك إذ لا معنى لإجماع الأمة في الأمور الفنية الصرفة التي تحتاج إلى النظر والبحث والتقصي . ولكن هذا الإجماع لا يستند إلى آراء هؤلاء الفقهاء الشخصية بمقدار استناده إلى القرآن والسنة ومصالح الأمة قاطبة ، وهو في هذا يختلف اختلافا جوهريّا عن إجماع الفقهاء الرومان .
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 54 - 55 .( 2 )Schacht ; origins . . . ; op . cit , p . 83 .( 3 ) معروف الدواليبي ، الموجز في الحقوق الرومانية ، المرجع السابق ، ص 89 .