تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
وإذا كانت المحاكم الرومانية أصبحت ملزمة بآراء الفقهاء الرومان الذين خولت القوانين لآرائهم هذه القوة الملزمة فإن هذه الآراء يجب أن تؤخذ بالإجماع وإلّا رجّح الجانب الذي فيه بعض مشاهير الفقهاء ، ومن هنا كانت الأحكام الرومانية تصدر بطريقة آلية فكانت الآراء تحصى ولا توزن « 1 » . بينما الإجماع في النظرية الإسلامية لا يعتمد على جمع آراء الفقهاء المجتهدين للعمل بحكم الأكثرية وإنما يقتضي اتفاقهم جميعا على القضية المطروحة أمامهم وإلّا لما تحقق الإجماع إذ ربما يكون الصواب في جانب الرأي المخالف للأكثرية . إن مفهوم الإجماع الروماني لا يتصل إطلاقا بإجماع علماء المسلمين ، فربما يكون متشابها لرأي أحد العلماء الكبار « كأحد مؤسسي المدارس الفقهية » مثلا . ولكن رأي العالم المجتهد وحده لا يعتبر إجماعا مهما سما صاحبه وبلغت شهرته الآفاق في العلم والمعرفة ، إذ العبرة بإجماع العلماء المجتهدين لا بإجماع الفرد وحده ، وهذا يختلف عن القانون الروماني الذي يمنح لآراء بعض الفقهاء سلطة التشريع والإلزام . كما أن إجماع الفقهاء الرومان لم يصل أبدا من الناحية الفنية إلى السمو والرفعة كالإجماع الإسلامي الذي شهد له « شاخت » بالعظمة الفنية . وأخيرا فإننا لا نعرف بأية وسيلة انتقل الإجماع الروماني إلى الفقهاء المسلمين حتى قلدوه ونهجوا على منواله خاصة أن الإجماع الإسلامي لا بد من أن يستند إلى القرآن أو السنة . وهكذا نرى أن مفهوم الإجماع هو مفهوم إسلامي خالص لا أثر فيه للقانون الروماني كما حاول المستشرقون إثبات خلاف ذلك . ونحن إذ عرضنا عليك مصادر القانون الروماني ، وركزنا بصورة خاصة على الإجماع في كلا القانونين ، فإن مصادر الفقه الإسلامي الأخرى ليست بخافية على أحد وتتركز بصورة أساسية في القرآن ثم في السنة الثابتة ثم في الإجماع ثم في القياس ثم في العديد من المصادر الفرعية الأخرى ، وهكذا نرى اختلاف مصادر الفقه الإسلامي عن القانون الروماني . ويتميز الاختلاف كذلك بينهما في تفرقة القانون الروماني بين القانون والدين ، وقد بدأ الانفصال بينهما اعتبارا من القرن الرابع قبل الميلاد . وحتى بعد أن أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية فإن القانون استمر وضعيّا لم يتأثر بالتعاليم المسيحية وبقي بعيدا عن الصبغة الدينية ، خلافا للفقه
هامش
( 1 )Giffard , precis de droit Romain , op . cit , p . 64 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 475 | ساسي سالم الحاج