الإغريقية ، وبالتالي بالقانون الروماني . وهكذا يتضح لنا خطل هذا الرأي القائل : إنه كان أحد طلاب مدرسة بيروت القانونية التي رأيناها قد زالت من الوجود قبل مولده بأكثر من مائتي سنة .
وإذا لم يكن لمدرسة بيروت القانونية أي أثر في تكوين الفقه الإسلامي فهل كانت مدرسة الإسكندرية أحسن حظّا منها في هذا المجال ؟
كانت مدرسة الإسكندرية من المدارس القانونية التي ألغاها « جستنيان » بموجب الدستور الصادر في 16 من ديسمبر سنة 533 ميلادية ولم تعد مركزا لتدريس العلوم القانونية منذ ذلك التاريخ . وعندما فتح العرب الإسكندرية عام 641 كانت هذه المدرسة قد أغلقت أبوابها منذ ما يزيد على قرن من الزمان . وإذا كان الفقه الإسلامي قد تكوّن ونضج نهائيّا في القرن الهجري الثاني فتكون هذه المدرسة قد وقفت عن نشاطها القانوني لمدة تزيد على قرنين من الزمان فكيف إذا يستقيم القول بتأثر الفقهاء المسلمين من خلالها ؟ هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن الرأي القائل باستفادة العرب من مكتبة الإسكندرية الشهيرة بما تحوي من مؤلفات قانونية عظيمة لا يصمد أمام النقد العلمي النزيه ولا أمام الحقائق التاريخية .
إن مكتبة الإسكندرية لا وجود لها عندما فتح العرب الإسكندرية لأن الحريق أتى عليها قبل ذلك الفتح بزمن طويل عندما أحرقها قيصر قبل ميلاد المسيح بدون قصد لأسباب حربية صرفة كما يقول الأستاذ « بتلر » « 1 » . وإن العرب لم يتسببوا في إحراق مكتبة الإسكندرية التي نشأت على أنقاض المكتبة القديمة لأنها ضاعت في الفتنة الدينية التي حدثت في الإسكندرية في أواخر القرن الرابع الميلادي « 2 » . وبالتالي فكيف يستطيع فقهاء المسلمين الاطلاع على مراجعها المدوّنة باللاتينية واليونانية وهي لا وجود لها مع جهلهم لهذه اللغات ؟ . يضاف إلى ذلك أن المدارس الفقهية الإسلامية العظيمة لم تنشأ في مصر بشهادة المستشرقين أنفسهم ولكنها تكونت بالدرجة الأولى في المدينة والعراق . ومن هنا ينتفي ذلك الرأي القائل بتأثر فقهاء المسلمين بمدرسة
هامش
( 1 ) بتلر ، فتح العرب لمصر ، ترجمة محمد فريد أبو حديد ، القاهرة ، 1933 ، ص 348 - 370 ، وقد ذكر ذلك صوفي أبو طالب كذلك ، وأشار إلى هذا المرجع في كتابه الآنف بيانه ، ص 58 ، كما أورد آراء كل من « بلوتارك » و « ديوكاسيوس » حول هذا الحريق .
( 2 ) صوفي أبو طالب ، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني ، المرجع السابق ، ص 59 .