على قيد الحياة لما أصابها من التدمير هي الأخرى ، فكيف يستقيم هذا والرأي القائل بتأثر الفقهاء المسلمين بمعلوماتها ومناهجها القانونية ؟ . وربما قيل : إن من بين الطلبة الأجانب الذين كانوا يتلقون دراستهم القانونية بمدرسة بيروت من هم من العرب قبل الفتح الإسلامي . وعن طريق هؤلاء الطلبة الذين تخرجوا فيها انتقلت القوانين الرومانية إلى الفقه الإسلامي بعد فتح العرب لهذه الأصقاع . والرد على هذا الافتراض سهل يسير ، فالرأي الراجح يذهب إلى أن الطلاب الأجانب المنتمين إلى الطبقات النبيلة والملتحقين بجامعة بيروت القانونية هم من الإغريق حالة كون لغة التدريس كانت اليونانية . وذهب الأستاذ « كولينييه » إلى وجود بعض الطلاب العرب بها نتيجة وجود صلات تجارية واقتصادية بين العرب وبيروت « 1 » . وينفي الأستاذ « صوفي أبو طالب » هذا الرأي ، ويرى أنه بالرجوع إلى الوثائق التاريخية التي حفظت لنا أسماء طلاب مدرسة بيروت القانونية نجد أن بضعة أفراد من العرب درسوا القانون في تلك المدرسة . ولكن أسماءهم والوظائف التي شغلوها ونشاطهم القانوني تدل على أنهم من العرب الذين كانوا يقيمون على أطراف الجزيرة العربية على حدود الشام . يضاف إلى ذلك أن الأمية كانت متفشية بين العرب ، وبذلك فإنه من الطبيعي ألا نجد طالبا واحدا من أصل عربي خالص يجشم نفسه عناء السفر إلى بيروت لتلقي العلوم هناك « 2 » .
أمّا من ذهب من المستشرقين مثل « أموس وكريمر » ويساندهما إلى حد كبير الدكتور « إبراهيم مدكور » « 3 » من أن الأوزاعي والشافعي قد تلقيا علومهما الفقهية من
هامش
( 1 )Collinet ; Histoire . . . ; op . cit , pp : 28 - 29 .( 2 ) صوفي أبو طالب ، بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني ، المرجع السابق ، ص 54 - 55 .
( 3 ) ذهب الأستاذ إبراهيم مدكور في كتابه المكتوب باللغة الفرنسية « أرجانون أرسطو في العالم العربي » . أن القياس التمثيلي كان موجودا بصورة تلقائية عند العرب . وأن عمر بن الخطاب استخدمه في رسائله التوجيهية إلى قضاته وولاته . ولكنه يرى أن الأثر اليوناني خاصة الأرسطي كان واضحا في كتابات الشافعي التي بدأ في تدبيجها عندما كانت حركة الترجمة إلى العربية في أوجها . ويرى أن رسالته الأصولية تدل على تأثره بالمنطق الأرسطي انظر في ذلك :Ibrahim Madkour , L'organon d'artistote dans le monde Arabe , second edition , J . Urin , Paris , 1969 , p . 261 .وانظر ردنا على هذا الرأي في رسالتنا للدكتوراه المشار إليها آنفا والتي أثبتنا فيها أن منهج الشافعي هو منهج عربي إسلامي خلافا للغزالي الذي تأثر بالمنطق اليوناني في كتاباته عن علم أصول الفقه ، ص 274 - 292 .