تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
مدرسة بيروت . فإن هذا الرأي لا يستند إلى أسس علمية صحيحة . وآية ذلك أن الأستاذ « فيتز جيرالد » ينفي مثل هذا الرأي نفيا قاطعا ، وإن كان يقرّ بوجود الأوزاعي في الشام وإقامته في بيروت ، ولكنه لا يعرف عنه كثيرا ، والنقول عنه متعارضة ، وقد اختفت مدرسته سريعا ، ولا تأثير لمدرسته أصلا في الفقه الإسلامي « 1 » . ونضيف نحن إلى ذلك أن الأوزاعي كان من الفقهاء الذين يأخذون بالحديث ويكرهون الالتجاء إلى الرأي . وقد سرد « شاخت » العديد من مواقفه التي يحبذ فيها الحديث ويقدمه على « النظر » القياس . ونقل عن « ابن قتيبة » أنه كان يلوم الإمام « أبا حنيفة » ليس لأنه يقول بالرأي فحسب ولكنه يفضله على الأحاديث غير الثابتة « 2 » . وإذا كان الأمر كذلك فإنه من المستحيل أن يكون الأوزاعي قد تلقى علومه القانونية في مدرسة بيروت ثم لا يستخدم النظر والقياس ويفضل الأحاديث عليها . يضاف إلى ذلك أن مذهب « الأوزاعي » الفقهي قد اندثر نهائيا ، ولعل ذلك يعود إلى أسباب سياسية . خاصة أن الدولة العباسية كانت لا تنظر بعين الرضا إلى أية أفكار أو مذاهب فقهية آتية من الشام « 3 » . وبناء على ذلك فإن فقه « الأوزاعي » لا أثر له في تكوين الفقه الإسلامي أو تطويره . أمّا بالنسبة إلى الإمام الشافعي فهو قد ولد فعلا بغزة عام 150 هجرية ولكنه انتقل صغيرا إلى مكة ، فتلقى علومه الأولية هناك ، ثم تتلمذ على يد الإمام « مالك » وأصبح من أتباعه - أي من أتباع مدرسة الحديث - ثم انتقل إلى بغداد فتتلمذ على « الشيباني » فأخذ من أتباع الرأي الشيء الكثير ، ثم كوّن مذهبه الفقهي المتميز به كما أسلفنا القول فيه . وهكذا لم يثبت عنه أنه ذهب إلى بيروت وتلقى علومه القانونية هناك . وقد أسهبنا الكلام في منهج « الشافعي » لتكوين علم الأصول في رسالتنا للدكتوراه ، وأثبتنا بموجبها أن منهجه إسلامي عربي خالص لا أثر للتأثيرات الأجنبية فيه . وبرهنا بالدليل والبرهان خطل الرأي الذي يقول : إنه كان يعرف اللغة اليونانية ، وإنه تأثر من خلالها بالثقافة
هامش
( 1 ) فيتز جيرالد ، المرجع السابق ، وقد ذكره كل من صوفي أبو طالب ، في كتابه « بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني » ، ص 52 ، والأستاذ محمد يوسف موسى في كتابه : « المدخل لدراسة الفقه الإسلامي » المرجع السابق ، ص 106 . ( 2 )Schacht , origins op , cit , p . 35 .( 3 ) شاكر مصطفى ، دولة بني العباس ، الجزء الثاني ، وكالة المطبوعات ، الكويت ، 1974 ، ص 69 .