حصلت في أواخر القرن الثامن الميلادي ، ونحن نعلم أن الفقه الإسلامي تكامل بظهور المدارس الفقهية المختلفة قبل هذا التاريخ فيكون استفادة الفقهاء منه ضربا من الخيال .
كما أثبت « نللينو » أن من زعم من الناس أن هناك ترجمات عربية لكتب القانون الروماني ، مثل كتاب « بانديكت الروماني » قد طالعها الفقهاء المسلمون وأخذوا منها الأحكام والأنظمة ، فإنه لا يمكن حتى اليوم إثبات هذه المزاعم ، ويرى بطلانها قطعا من جهة التاريخ لأن البحوث والدراسات في الأبحاث الشرقية « من العبرانية والسريانية والقبطية والعربية والحبشية » للعثور على العناصر التي ستفيد لإعادة نصوص القوانين الإمبراطورية الرومانية التي تخيلها « بونفانته
Bonfante
» ، المأسوف عليه ، لم تؤد حتى الآن إلّا إلى نتائج سلبية « 1 » .
هناك من المستشرقين من ذهب إلى أن العرب بعد الفتح الإسلامي لسوريا والعراق اتصلوا بالمدارس الفقهية الرومانية في هذه البلدان واستقوا منها معلوماتهم الفقهية كمدرسة بيروت والإسكندرية . وكان من أنصار هذا الرأي الأستاذ « شلدون أموس
Amos
» - صاحب تلك المقولات التعسفية ضد الفقه الإسلامي - الذي يرى أن مدرستي الإسكندرية وبيروت بقيتا تدرسان القانون الروماني حتى بعد الفتح الإسلامي بما يزيد على قرن من الزمان . ومن أنصار هذا الرأي أيضا المستشرق الألماني « فون كريمر » الذي يرى أن الأوزاعي والشافعي أفادا من مدرسة بيروت الرومانية في سورية ، وأن هذين الفقيهين ولدا في سوريا ، فلا ريب أنهما كانا خبيرين بكثير من المبادئ البيزنطية الرومانية في القانون « 2 » .
وهذه الآراء لم تصمد هي الأخرى أمام الحقائق العلمية الثابتة . وآية ذلك أنه عندما فتح العرب سوريا والعراق عام 635 ميلادية لم يبق « جوستنيان » قبل هذا التاريخ بقرن في الإمبراطورية الرومانية إلّا ثلاث مدارس رسمية ؛ مدرستين في روما والقسطنطينية ومدرسة في بيروت ، وقد أغلق مدرسة الإسكندرية في مصر ، ومدرسة قيصرية بفلسطين ومن قبل كان قد أغلق مدرسة أثينا « 3 » .
ويحدثنا « كولينيه
Collinet
» بأن مدرسة بيروت قد تأسست في نهاية القرن الثاني
هامش
( 1 ) نللينو ، نظرات في علاقات الفقه الإسلامي والقانون الروماني ، المنتقى من دراسات المستشرقين ، المرجع السابق ، ص 53 .
( 2 ) فون كريمر ، تاريخ الحضارة في الشرق ، ترجمة خوداباكش ، 1920 ، ص 447 .
( 3 ) .Paul Collinet ; Histoire de l'ecole de droit de Beyrouth , Paris , 1925 , p . 52 .