تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
هذين المصدرين لم يتكوّنا على هيئة نظرية كما هو الحال بالنسبة إلى نظام الفقه الإسلامي . ومن جهة أخرى فإن هنالك سموّا للفقه الإسلامي على الشرائع اليهودية ، فعلم أصول الفقه تكوّن بسرعة مذهلة خلال قرن ونصف أو قرنين على الأكثر بعد وفاة الرسول بينما تكوّن التلمود بعد أربعة قرون من تخريب المعبد بل إن أصوله المكتوبة قد تكونت بعد قرون من ذلك التاريخ « 1 » . أما بالنسبة إلى الأنظمة الفقهية ذاتها فإنه لا يمكن الاعتماد على بعض تلك المتشابهات المادية بين النظامين القانونيين الإسلامي واليهودي ، فهذا التوافق والتطابق لا يكفي في حد ذاته لإثبات علاقة التأثر والتأثير بينهما ، ذلك أن فقهاء المسلمين اضطروا إلى تكوين نظامهم القانوني من تلقاء أنفسهم وبفضل مجهوداتهم الشخصية . وإذا حصل أن وجد بعض التشابه هنا وهناك مع بعض القوانين الأجنبية فإن ذلك لا يدل على عدم أصالة الفقه الإسلامي واستقلاليته . فليس هناك مثلا أي تشابه بين ممارسة بعض شعائر الديانتين كالصوم الإسلامي وصوم يوم كيبور اليهودي ، فهذان الصومان لا يتشابهان مطلقا . كما أن الوضوء المقرر في الشريعة الإسلامية لا وجود له في التلمود اليهودي . وفي مجال القانون فإن نظام الميراث الإسلامي يختلف تماما عما هو منصوص عليه في الشريعة اليهودية . والزواج في كلا الشريعتين يختلف اختلافا جذريا . ونظرية الطلاق اليهودية مجهولة لدى المسلمين ، بينما نظام الطلاق الإسلامي ليس معروفا لدى الشريعة اليهودية . كما أن الاختلاف بين الشريعتين عميق فيما يتعلق بكيفية الدخول بالمرأة والآثار المترتبة عليها من مهر ونفقة وغيرها . ويظهر الاختلاف عميقا بينهما فيما يتعلق بالقوانين الجنائية والأخلاقية خاصة تلك الأهمية الكبرى التي توليها الشريعة الإسلامية للزنا والتي لا نظير لها في الأحكام التلمودية . وهكذا فإنه ليست هذه المتشابهات بين النظامين ضعيفة فحسب ولكن من السهولة بمكان إثبات عكسها تماما « 2 » . هناك اختلاف آخر يبرهن لنا على أن تأثير التلمود في الفقه بعيد جدا وهو اختلاف هذين النظامين من حيث الشكل . فكتب الفقه الإسلامي بالرغم من بعض الفوضى التي تسودها فإنها في الحقيقة تعبر عن الوضوح والنظام وحسن العرض
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 78 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 79 .