تسرب هذا المفهوم وغيره من القانون الروماني إلى الفقه الإسلامي عن طريق الفلسفة الرواقية . وكان أولئك النقلة هم الذين اعتنقوا الإسلام من سكان الأراضي المفتوحة ، والذين تلقوا تعليما راقيا ، وأخذوا بقسط وافر من الفلسفة الهللينية في أراضي الهلال الخصيب وهو أمر طبيعي كان يحدث في منطقة الشرق الأوسط التي سقطت تحت الاحتلال العربي . وكانت هذه المعرفة الفلسفية التي حصلوا عليها تحتوي على قسط من القانون الذي كان يعتبر ضروريا للخطباء الذين هم كانوا في الوقت ذاته من المحامين كما أنه مفيد لأي شخص مثقف . هؤلاء الأشخاص المثقفون الذين اعتنقوا الإسلام هم الذين حملوا هذه الأفكار المتضمنة لبعض الأحكام والمفاهيم القانونية إلى الدين الجديد . وكانت هذه الأحكام والمفاهيم القانونية من العموم بحيث أصبحت مألوفة ليس فقط للقانونيين لكن لكل من له نصيب وافر من الثقافة العامة . وهكذا اتصلت العلاقة بين القانون الروماني والفقه الإسلامي وأصبحت تتضمن المذاهب المبثوثة في القانون الروماني القديم ولا علاقة لها بقانون « جستنيان » وهذا الأمر لا يعد ظاهرة منعزلة . فالقانون التلمودي والرباني يحتويان أيضا على الأحكام والمفاهيم المتعلقة بالقانون الروماني القديم . والتي دخلت لها أيضا عن طريق البلاغة اليونانية .
ونفس الاتصال حصل بين القوانين الساسانية والقوانين التلمودية في العراق . وهو المكان الذي ازدهر فيه الفقه الإسلامي خاصة عندما انفتحت أبواب الحضارة الإسلامية على مصراعيها أمام هؤلاء النقلة الذين اعتنقوا الإسلام ولكنهم لا ينتمون إلى الأصول العربية . ومما لا ريب فيه أن المتخصصين المسلمين الأوائل بالفقه قد اعتنقوا بوعي كامل بعض مبادئ القوانين الأجنبية « 1 » .
ويؤكد « شاخت » استقاء الفقه الإسلامي للعديد من الأحكام الرومانية مثل القاعدة القائلة : « الولد للفراش » . فهي متصلة اتصالا وثيقا بالحكمة الرومانية القائلة :
Pater est auem nuptiae demonstrant
هذه القاعدة التي يرجع إليها غالبا لم تلعب دورا هامّا في الفقه الإسلامي . كما أن مسؤولية السارق الذي لا يمكن تطبيق الحدّ عليه تتحدد بضعف قيمة الشيء المسروق ، وهو الحلّ الذي اعتنقته المذاهب الإسلامية القديمة والذي تمّ العدول عنه في الفقه الإسلامي يجد أصله في القانون الروماني . كما أن المفهوم العربي القديم « للضمان » والمنصوص عليه في القرآن له علاقة وثيقة
هامش
( 1 )Schacht ; Introduction au droit Musulman ; op . cit ; p . 28 - 29 .