تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
والثقافة البيزنطية أن تتسرب إلى المسلمين . وأهم من ذلك أن الفقه الإسلامي بدأ يتكون في فترة كانت أبواب المدينة الإسلامية مفتوحة على مصراعيها أمام حاملي الثقافات الأجنبية الذين اعتنقوا الإسلام « 1 » . ويستطرد « شاخت » في بيان كيفية قيام هؤلاء الأشخاص المثقفين ثقافة إغريقية بنقل الأفكار القانونية البيزنطية إلى المسلمين فيقول : « في الواقع ، إن نسبة كبيرة من بين الذين اعتنقوا الإسلام من سكان البلاد التي فتحها المسلمون خلال القرنين الأول والثاني كانوا ينتمون إلى الطبقة العليا في المجتمع وكانوا مثقفين بالثقافة الإغريقية ، تلك الثقافة التي كانت سائدة في الشرق الأدنى . ومن المعروف أن إعداد المحامين والخطباء ، وهي مهنة منفصلة عن مهنة الفقهاء «
Juristes
» بالمعنى الدقيق ، كانت تتضمن في القرون الأخيرة للعالم القديم ، دراسة المنطق وبعض المبادئ القانونية . وفي الحقيقة ( حرّم ) جستنيان تدريس القانون خارج الجامعات الإمبراطورية الثلاث : روما ، وبيروت ، والقسطنطينية ، ولكنه لم يستطع تطهير دراسة المنطق - الذي كان يعتبر رئيسا ليس فقط بالنسبة إلى إعداد المحامين بل بالنسبة إلى التعليم العام - من كل العناصر القانونية التي كان يحتويها . وإلى هؤلاء الأشخاص - الذين كانوا بكل تأكيد غير متخصصين بعلم القانون - يرجع كثير من الأفكار الإغريقية التي كانت من مستوى شعبي والتي تسربت إلى الفقه الإسلامي بل وإلى قواعد اللغة العربية نفسها . وقد حدث هذا قبل عصر الترجمة . وعلى هؤلاء الأشخاص تقع مسؤولية انتقال بعض الأفكار القانونية البيزنطية إلى الفقه الإسلامي . وهذا هو ما يفسر لنا ذلك الطابع الشعبي الذي اتسمت به تلك الأفكار المستعارة : فيكاد لا يوجد تشابه من حيث الأحكام الفنية بين القانونين ، ولكن يوجد تشابه من حيث المبادئ العامة ، لا من حيث الحلول الجزئية » « 2 » . ويعبر « شاخت » عن الفكرة السابقة ذاتها عندما يؤكد أن مفهوم الرأي عند الرومان
Opinio Prudentium
هو الذي أوحى للمسلمين نموذج المفهوم الذي أعدّ بعناية من قبل المدارس الفقهية الإسلامية القديمة ألا وهو مفهوم « إجماع العلماء » ، وقد
هامش
( 1 ) شاخت ، محاضرة عن القانون البيزنطي والشريعة الإسلامية ، ذكرها ، الدكتور صوفي أبو طالب ، المرجع السابق ، ص 92 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 93 .