تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
الروماني ، وكان هذا الفقه مصدرا من مصادره ، استمد منه بعض أحكامه ، لوجود مدارس للقانون الروماني عند الفتح الإسلامي في قيصرية وبيروت ، وكانت هناك محاكم تسير في نظامها وأحكامها حسب القانون الروماني ، واستمرت هذه المحاكم بعد الإسلام زمنا ، وإنه من الطبيعي أن قوما لم يأخذوا من المدنية بحظ وافر إذا فتحوا بلادا متمدّنة نظروا ما ذا يفعلون ، وبم يحكمون ؟ ثم اقتبسوا من أحكامهم . ونقل « أحمد أمين » عن هذين المستشرقين قولهما : إن المقابلة بين بعض أبواب الفقه وبعض أبواب القانون الروماني تدل على التأثر الحاصل بينهما ، وإن الفقه الإسلامي أخذ عن القانون الروماني إمّا مباشرة أو عن طريق التلمود ، فإن هذا التلمود أخذ كثيرا من الفقه الروماني ، واتصال المسلمين باليهود مكّنهم من الأخذ ببعض أقوال التلمود « 1 » . ونحن سنثبت خطل هذا الرأي عندما نتعرض لأحوال المدارس الفقهية الرومانية في الشام . ومن المستشرقين الذين ذهبوا هذا المذهب « ديبور » الهولندي الذي أكّد هو الآخر تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني بعد أن فتح المسلمون بلادا ذات مدنيات قديمة ، فنشأت حاجات لم يكن للإسلام بها عهد ، وحلت محل شؤون الحياة العربية البسيطة عادات وأنظمة لم يرشد إليها الشرع إرشادا دقيقا إلى وجه الحق فيها ، ولم يرد في السنة بالنصّ ولا بالتأويل ما يبين الطريق إلى معالجتها . ثم أخذ عدد الوقائع الجزئية يزداد كل يوم ، وهي وقائع لم يرد فيها نصوص ولم يكن للمسلمين بد من الحكم فيها ، إمّا بما يتفق مع العرف ، وإمّا بما يهديهم إليه إدراكهم لمعنى الخير . ولا بد من أن يكون القانون الروماني قد ظل زمنا طويلا يؤثر تأثيرا كبيرا في هذا الاتجاه في الشام والعراق ، وهما من ولايات الإمبراطورية الرومانية القديمة « 2 » . ومن المستشرقين الآخرين ممن ذهب إلى هذا الرأي « كاروزي
Carusi
» الإيطالي ، و « قون كريمر
Von Kremer
» الألماني ، و « شلدون آموس
Amos
» البريطاني ، و « سنتلانا » الإيطالي ، و « لامبير
Lambert
» الفرنسي وغيرهم كثيرون ، وردت على ألسنتهم تلك العبارات التعسفية مثل : « إن الشرع المحمدي ليس إلّا القانون
هامش
( 1 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، الطبعة الحادية عشرة ، 1975 . 246 - 247 . ( 2 ) تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ترجمة الدكتور عبد الهادي أبو ريدة ، ص 42 ، ذكره محمد يوسف موسى في كتابه : المدخل لدراسة الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 94 .