وبالرغم من موافقتنا على ما ذهب إليه « فيتز جيرالد » من عدم تأثر الفقه الإسلامي بالقانون الروماني ، فإننا لا نوافقه على ما ذهب إليه من أن الفقه استمد هذه المصطلحات من التلمود . وآية ذلك أن مصطلح « الرأي » قد ظهر منذ عصر الرسول ، وكان يستخدم بمعنى الاجتهاد بالرأي منذ ذلك التاريخ . ونراه مبثوثا في حديث الرسول إلى « معاذ » عندما بعثه قاضيا إلى اليمين وعندما سأله الرسول : بم تحكم ؟ ! أفاده بالقرآن أو السنة ، فإذا لم أجد فأجتهد رأيي ولا آلو . وهذا الحديث واضح الدلالة على أن هذا الاصطلاح قد استخدم منذ ذلك الزمن المبكر من الدعوة الإسلامية ، يضاف إلى ذلك أن الرسول كان يشجع أصحابه على الاجتهاد ، ويحثهم عليه ، ويدربهم على كيفية استعمالهم له . ورأينا في المبحث السابق رسالة « عمر » القضائية إلى قضاته وكيف طالبهم فيها باستخدام الرأي الذي تطور بعدئذ حتى أصبح قياسا من الناحية الفنية .
ورأينا هذا المصطلح يستخدمه « عبد اللّه بن مسعود » عندما سئل عن امرأة توفي عنها زوجها ولم يسم لها مهرا فقال : أقول فيها برأيي فإن كان صحيحا فمن اللّه وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان ، وقد فرح فرحا شديدا عندما وافق رأيه ما قضى به الرسول في قضية « بروع بنت واشق » الأشجعية .
وهذا « جولدزيهر » نفسه الذي عزا اصطلاح الرأي إلى القانون الروماني وخالفه في ذلك « فيتز جيرالد » الذي أرجعه إلى التلمود اليهودي ، يذهب في مناسبة أخرى إلى الإقرار بأن استخدام الرأي في الفقه الإسلامي قد نما على أنه ضرورة ملحّة اقتضتها أحداث الحياة الفقهية العملية في مباشرة منصب القضاء « 1 » . ونحن نرى أن « الرأي » لم يستخدم بعد الفتوحات الإسلامية فحسب ولكنه كان جاريا على الألسنة قبل ذلك بكثير ، ولم يكن المسلمون في حاجة إلى استقائه من اليهود الموجودين بالمدينة خاصة أن حياتهم الفقهية - كما برهنا في مناسبة سابقة - ليست بتلك الرفعة والسؤدد في هذا المكان الذي أصبحوا فيه متشابهين بالعرب أسماء وعادات ، ولغة وثقافة . يضاف إلى ذلك أن « المشنا » لم يترجم إلى اللغة العربية في ذلك الزمان فكيف يستطيع العرب فهم ما ورد فيه من نصوص ؟ . وإذا كان رد بعضهم على حجتنا هذه يتمثل في إدخاله للحياة
هامش
( 1 )Goldziher ; Die Zahiriten , Leipzig ; 1884 ;ذكره محمد يوسف موسى . في كتابه :
« محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي » ، جامعة الدول العربية ، معهد الدراسات العربية العالمية ، 1954 ، ص 22 ، 23 .