الغريبة عنه وقد غيّر هذا الغريب المستعار تغييرا أبعده عن أصله المأخوذ منه ، وضم ذلك كله إلى الإسلام . فهناك جمل أخذت من العهد القديم ، والعهد الجديد ، وأقوال الربانيين أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة ، وتعاليم من الفلسفة اليونانية ، وأقوال من حكم الفرس والهنود ، كل ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق « الحديث » حتى لفظ « أبونا » لم يعدم مكانه في الحديث المعترف به ، وبذلك أصبحت ملكا خالصا للإسلام بطريق مباشر أو غير مباشر تلك الأشياء البعيدة عنه . ثم يصل بعد استطراد وأمثلة إلى الحكم بأن قسما كبيرا من الأدب الديني اليهودي دخل الأدب الديني الإسلامي من هذه المصادر اليهودية « 1 » .
وعند حديثه عن تطور الفقه الإسلامي ، وتطرقه إلى قيام الفقهاء باستنتاج قواعد دينية عن طريق الاجتهاد الشخصي ، وتقنين الفقه باستخدام القياس والاستنتاج والرأي الشخصي أيضا ، فإن « جولدزيهر » يرى أنه ليس غريبا أن تكون هذه التعاليم الفقهية والتفضيلات المستعملة قد تأثرت كذلك بثقافات أجنبية ، كما أن المعارف الفقهية الإسلامية تحمل على سبيل المثال - كما حقق ذلك البحث الحديث تحقيقا ثابتا - آثارا غير منكورة من الفقه الروماني ، سواء في ذلك من ناحية الطريقة ، أو من ناحية الأحكام الفرعية « 2 » .
ويذهب الأستاذ « فيتز جيرالد » الإنجليزي إلى تأكيد أن « جولدزيهر » كان من القائلين باستعارة الفقه الإسلامي من القانون الروماني . ولكنه إنصافا لهذا العالم نفسه ، فإنه يراه قد رجع عن آرائه في مصنفه العظيم « العقيدة والشريعة في الإسلام » « 3 » . ولكن هذا العالم الجليل نسي تلك الفقرات السابقة التي أوردناها من كتاب « جولدزيهر » سالف الذكر والتي تؤكد تمسكه دوما بآرائه تلك إلى النهاية ولم يعدل عنها أبدا ، خاصة أن كتابه المشار إليه لم يكن مخصّصا لتطور الفقه إلّا في فصل واحد ، ثم إنه لم يقرر فيه صراحة عدوله عن آرائه السابقة ، علما بأن أفكاره هذه لا تزال مبثوثة في الموسوعة الإسلامية الصادرة عام 1961 م كما سنشير إليها في حينها .
هامش
( 1 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، المرجع السابق المترجم ، ص 42 - 43 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 47 .
( 3 ) د . محمد يوسف موسى ، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي ، الطبعة الثانية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1961 ، ص 93 .