عن طريق القرآن الذي فسرته وكملته وشرحته وبينته السنة النبوية الصحيحة القولية منها والفعلية والتقريرية . ولم يكن للصحابة والمجتهدين بعد تلك الفترة المبكرة من نشأة الفقه الإسلامي إلّا تطبيق تلك القواعد الكلية الواردة في القرآن والسنة الصحيحة على الحوادث والنوازل الجزئية دون أن يبدلوا أو يغيروا في تلك المبادئ والقواعد الكلية الثابتة أو يزيدوا عليها . ولم تنقل لنا الحوادث التاريخية أن أحدا اكتشف نقصا فيها فكمّله وأضاف إليه ، أو قوّم اعوجاجا لاحظه عليه ، أو فسادا فأصّله بالنسخ أو التغيير أو أي شيء من هذا القبيل .
وقد أبانت لنا دراستنا السابقة أيضا أن الفقه الإسلامي جاء عاما شاملا في أحكامه ، فتناول علاقة الناس مع ربهم ، وعلاقتهم ببعضهم بعضا في سائر مناحي الحياة ، باعتبار أن الشريعة الإسلامية هي شريعة عامة ودائمة وشاملة وصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ولا تخضع للتغيير والتبديل طبقا لرغبات وأهواء الحكّام ، وقد استقرت خصائصها هذه منذ المرحلة الأولى من نشأتها . وعندما تطور الفقه من خلالها في المراحل التالية لها فإن الفقهاء لم يفعلوا شيئا سوى تطبيق تلك المبادئ العامة والشاملة والمرنة على الجزئيات التي تتنامى وتتكاثر طبقا لسنة الحياة وطبيعتها .
وأبانت لنا دراستنا السابقة كذلك أن العرب الجاهليين كانت لهم قبل الإسلام نظم قانونية تنظم حالتهم الاجتماعية والاقتصادية والأسرية وغيرها شأنهم في ذلك شأن أية أمة أخرى على الكرة الأرضية ، وقد تحددت تلك القواعد القانونية في الأعراف المحلية وبعض الوثائق المكتوبة جنوب الجزيرة العربية ، ورأينا كيف أن تلك الأعراف الصالحة قد دخلت الإسلام فتبناها وأدخلها في فلكه بعد أن غربل الأعراف الفاسدة منها وطرحها جانبا .
وأبانت لنا دراستنا السابقة أيضا كيف اجتاح المسلمون الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية فطردوا الأولى من الشام ومصر وإفريقية الشمالية ، وقضوا على الثانية قضاء مبرما . وقد نتج عن هذا الفتح السريع والمدهش انتقال النظام القانوني الإسلامي إلى الأراضي المفتوحة ، فطبّق الفقه فيها طبقا لما ورد في القرآن والسنة واجتهادات الصحابة والتابعين الذين واجهوا مشاكل وأنظمة لا قبل لهم بها في مجتمعهم البدوي الذي يختلف اختلافا جذريا من الناحية الحضارية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية عما هو معهود لديهم ، وقد كان من الطبيعي إزاء هذه الظروف الجديدة ، والحوادث المستجدة والمشاكل العويصة ، ألّا توجد نصوص واضحة صريحة في
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 441
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٤٤١