القرآن أو السنة تكفي لإيجاد حلول لهذه المشاكل والأقضية التي تعرض عليهم صباح مساء ، وكان لا مناص لهم من البحث عن مصادر قانونية أخرى لإيجاد الحل اللازم في طياتها ، ولم يكن هناك من مصدر ملائم لذلك إلّا الاجتهاد واستخدام الرأي استنادا إلى المبادئ الكلية العامة الشاملة الواردة في ذينك المصدرين الأصليين ، الأمر الذي أدى بداهة إلى ظهور القياس كمصدر من مصادر الفقه الإسلامي باعتباره جزءا من الاجتهاد . وظهرت - بالإضافة إلى ذلك - مصادر أخرى فرعية لا تزال تثري الفقه وتجعله صالحا لكل زمان ومكان كما سنتبينه في المبحث القادم .
وإذا كان الفقهاء والمجتهدون والقضاة المسلمون ، وهم يقومون بمهامهم القضائية والدينية ، يعملون الرأي والاجتهاد للوصول إلى القواعد القانونية التي تحكم الحوادث والنوازل الجزئية المستجدة فهم بلا شك يلجئون إلى جميع الوسائل المتاحة لهم لاستنباط هذه الأحكام من أدلتها التفصيلية . وقد برعوا في ذلك ، ووصلوا فيه شأوا كان مثار إعجاب الفقهاء والقانونيين قديما وحديثا . وهم إذ فعلوا ذلك هل استعانوا بالمصادر الخارجية كالشريعة اليهودية أو القانون الروماني مثلا ؟ .
عندما درس المستشرقون الفقه الإسلامي ، ورأوه نظاما كامل البنيان ، ثابت الأركان ، قوي الحجة والبيان شككوا في مصدره الإسلامي ، وافترضوا أنه قد استند واستمد معظم أحكامه ومصطلحاته وتقسيماته من الشريعة اليهودية والقانون الروماني .
وهذه شبهة طالما رددها هؤلاء المستشرقون الذين لم يكونوا أصلا من المتخصصين بالعلوم القانونية إلّا ما ندر ، والذين اعتقدوا - بحسن نية أو بسوئها - أن هذا البنيان الفقهي العظيم الظاهر في المؤلّفات الفقهية الإسلامية لا بد من أن يكون مستندا إلى المؤثرات الخارجية كما ادعوا في السابق اعتماد القرآن على هذه المصادر الخارجية أيضا .
اختلف المستشرقون حول تأثر الفقه الإسلامي بالمصادر القانونية الأجنبية فمنهم من اعتقد جازما أن هذا التأثر هو حقيقة علمية لا مناص لنا من التسليم بها وإقرارها ، وبذلوا غاية جهودهم للبرهنة على حصتها . وهناك فريق آخر ممن أنكر هذا التأثير الأجنبي مهما كان نوعه في الفقه الإسلامي ورأوه عبارة عن منهج عربي إسلامي خالص في نشأته وتكوينه وقواعده وأحكامه فما حقيقة الحال يا ترى ؟
لقد أشرنا في مقدمة هذا الفصل الذي خصصناه لنظرة المستشرقين إلى الفقه
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 442
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٤٤٢