فهذا « شاخت » يرى أن الشرق الأوسط قد تأثر في تشريعاته بالقوانين الغربية التي تسرّبت إليه من خلال احتلال الغرب المباشر لهذه الأصقاع . ونحن نرى كذلك من خلال بعض المثقفين المسلمين الذين تلقوا علومهم في الجامعات الغربية فتأثروا بمناهجها وأسلوب تشريعاتها وحاولوا إدخالها ولو بدون مواءمة مع الشريعة الإسلامية إلى بلدانهم لأنهم رأوا فيها البذور الصحيحة للنهضة الحديثة التي يجب على المسلمين الأخذ بأسبابها والتي تتضمن جميع مناحي الحياة حتى التشريعية منها . ولكن الانتقادات الموجهة إلى الشريعة الإسلامية لا تتناول الأحكام الدينية المنصوص عليها في مصادرها الأصلية ، وإن اقتصرت في الدرجة الأولى على الفقه الإسلامي في شكله التقليدي . أي بعبارة أخرى ضد آراء أولئك الفقهاء الأقدمين الذين اعتقدوا أنها ستبقى صالحة في كل زمان . وهكذا حاول هؤلاء المجدّدون إحلال الأحكام الفقهية القديمة بأحكام إسلامية جديدة « 1 » .
ولعل أهم التأثيرات الظاهرة للقوانين الغربية في الشريعة الإسلامية خلال القرن التاسع عشر هو تقنين النصوص الشرعية على هيئة قوانين على الطريقة الغربية وتقسيمها إلى فصول ومواد طبقا لما قامت به مجلة الأحكام العدلية العثمانية . وهو نفس الأمر الذي قام به « محمد قدري » باشا في مصر الذي أعد مجموعة من القوانين أخذها من المذهب الحنفي ، مسترشدا في عمله بمجلة الأحكام العدلية على هيئة كتاب بعنوان « مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان » . وهو خاص بالمعاملات ويتكون من 941 مادة . كما قنن أحكام الوقف طبقا للمذهب الحنفي في 646 مادة وسمّاه « العدل والإنصاف في حل مشكلات الأوقاف » . ثم قنن أحكام الأحوال الشخصية في 647 مادة . وهكذا أصبحت هذه التقنيات الشخصية مرجعا هاما لكل من قام بهذا العمل بعده ، حالة كون الحكومة المصرية لم تتبنّ هذا العمل وتعمل به بصفة رسمية .
وتتابعت هذه التقنينات في كل من الجزائر التي صدر فيها « قانون مورناد » وفي تونس « قانون سانتلانا » .
وهكذا نشطت الحكومات الإسلامية وبعض علمائها في مجال تقنين الفقه الإسلامي ؛ وسلكت مناهج مغايرة لما هو معمول به في السابق كعدم التقيد برأي مذهب معين تيسيرا للناس ورفعا للمشقة عنهم خاصة أن جميع المذاهب الإسلامية
هامش
( 1 )Schacht , Introduction . . . ; op . cit , p . 87 .