وعن طريق اتباع إجراءات ثابتة . وبالرغم من أن هذه اللوائح تتخذ صبغة القانون وتتعلق بالجوانب الإجرائية فقد كان لها أثر هام في طبيعة القضاء الشرعي . وبيان ذلك أن الأحكام الفقهية التقليدية لم تول أهمية خاصة للإثبات عن طريق الكتابة بالرغم من صريح القرآن في ذلك . إلّا أن اعتماد هذه المحاكم على الشهادة الشفوية أدّى إلى استصدار عدد من التنظيمات السياسية في الشرق الأوسط تمنع المحاكم من سماع الدعاوى التي لا تستند إلى بيّنة موثقة في بعض مجالات التقاضي ، كاللائحة الصادرة في مصر عام 1897 م الخاصة بإجراءات المحاكم الشرعية وترتيبها والتي تقرر عدم سماع دعوى الزواج أو الطلاق أو الآثار المترتبة عليهما بعد وفاة أي من الطرفين ما لم تكن مؤيدة بوثيقة خالية من شبهة التزوير . وحدث نفس الأمر بالنسبة إلى قانون حقوق الأسرة الأردني الصادر عام 1951 م الذي منع المحاكم من سماع دعوى الزوج بالطلاق التي قد يرفعها لدفع مطالبة الزوج بالنفقة ما لم يكن هذا الطلاق موثقا لدى القاضي .
واتخذت مصر ذات الأسلوب الإجرائي لتجنب الآثار التي لم تعد مقبولة في التفكير الحديث ، وأهمها تلك المتعلقة بطول مدة الحمل ، فقد رأى الأحناف أن أقصى مدة الحمل عامان فقط ، على حين اعترفت المذاهب الأخرى بمدة أطول من ذلك بحيث تصل كما عند الشافعية والحنابلة إلى أربع سنوات ، بينما تمددها بعض الآراء المالكية إلى سبع سنوات ، وقد اعتمدوا في هذه التحديدات الطويلة إلى ظاهرة « الحمل المستكن » . ويرى « كولسون » أن تحديد مدة الحمل بهذه المدة الطويلة لم يكن ناجما عن جهل الفقهاء الأوائل بعلم الأجنّة ، ولكنهم سلكوا هذا الطريق مراعاة للنسب ، وتجنبا لتطبيق عقوبة الرجم بعد الحمل بتسعة أشهر . وهكذا يبدو أن المبادئ الإنسانية كانت ذات أثر في قبول الفقهاء لاحتمال امتداد الحمل هذه الفترات الطويلة « 1 » .
ولكن التشريع المصري الحديث لم يأخذ بآراء المذاهب الفقهية القديمة في مسألة « مدة الحمل » خاصة بعد أن زالت الأسباب التي يراها « كولسون » مقنعة لأولئك الفقهاء القدماء للأخذ بهذه المدة الطويلة للحمل ، كعدم العقاب على الزاني بالرجم أو الجلد ، وكفالة النفقة للأولاد غير الشرعيين وإقرارها على آبائهم الفعليين ، وتناقض المقررات الطبية الحديثة التي تحدد الحمل بدقة مع تلك الأحكام القديمة . فعدلت مصر من هذه المدة طبقا للقانون الصادر عام 1929 م بحيث لا تسمع دعوى لنفقة عدة
هامش
( 1 )Coulson , A history . . . , op . cit , p . 175 .