تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
هذا الصدد لم يخرج عما أشار إليه « شاخت » آنفا . ولكنه يمتاز عليه بإيراد قضايا وأمثلة مطولة عن كيفية هذا الامتزاج وأثره في الشريعة الإسلامية . ويصل - بموجب هذه الأمثلة - إلى نتيجة مفادها اعتبار الأحكام الشرعية التقليدية خاضعة للتعديل على ضوء ما تمليه معايير العدالة في التقاضي شأنها في ذلك شأن قواعد القانون العرفي الإنجليزي « 1 » . أمّا التطور الآخر الذي تميزت به شبه القارة الهندية فيتمثل - طبقا لرأي « كولسون » - في التجاهل المطلق للأحكام الشرعية في عدة مناح قانونية وذلك بإحلال القانون الإنجليزي محلها . ويرى « كولسون » أن السبب في ذلك يعود إلى الصعوبة البالغة التي يلاقيها أعضاء المحاكم المناط بهم النظر في القضايا في معرفة الأحكام الشرعية الواجب القضاء بها في موضوع النزاع . . . ومن هناك أن يلجأ أعضاء تلك المحاكم إلى أيسر الأحكام وأكثرها مساعدة لهم في تحقيق العدالة . وقد أدّت بعض هذه الأحكام إلى مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية الصحيحة . ويضرب مثلا واضحا يدل على ما أدّت إليه المحاكم الهندية من استصدار أحكام قضائية تدل على عدم الفهم الصحيح للأحكام الشرعية ما ذهبت إليه تلك المحاكم بشأن « هبة الأعيان » لفترة سنة والمحدودة بحياة الموهوب له ، وهو ما يعرف في القانون الإنجليزي ب « الهبة مدى الحياة » . أي نقل ملكية أو رقبة العين إلى الغير مدة معينة مع اشتراط بعض الشروط الواردة على حق الغير في استعمالها أو التصرف فيها . فأصدرت المحاكم الهندية العليا حكمها برفض إنشاء الهبة المقيدة بحياة الموهوب له ، على ضوء ما قرره المذهب الحنفي الذي لا يجيز هذا الوضع ، حيث حكم أن يكون نقل الملكية في الهبة مطلقا غير مشروط . فكل ما يفيد التقييد بالوقت أو طريقة الانتفاع يعدّ لدى فقهاء هذا المذهب شرطا فاسدا يسقط بموجبه ، كي تصح الهبة في ذاتها ، ويبطل القيد ، ويتملك الموهوب له الشيء الموهوب بصفة دائمة . وبالرغم من أن المحاكم الإنجليزية في الهند عرفت وجهة نظر المذهب الحنفي في هذا الأمر ، فإن قضاتها حصروا تفكيرهم في جانب واحد من فقه هذا المذهب في موضوع « التمليك بدون عوض » . ذلك أن المذهب الحنفي إذ يعترف بورود هذا النوع من التمليك على الأعيان وحدها في الهبة ، يعترف كذلك بوروده على المنافع وحدها فيما يختص به عقد العارية ، الذي يصح
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 166 .