تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
معالجتها من وجهة النظر هذه لوحدها دون النظر إلى الظروف التشريعية السائدة في الزمان والمكان التي تحكم دوما لحظة التشريع . فالقوانين اليهودية كانت من القوة والشدة بحيث تبدو أنظمة الحدود والتعزير الإسلامية كأنها بلسم ورحمة بالبشرية . ثم إن مقتضيات الظروف كانت تتطلب تطبيق هذه العقوبات التي لم تكن قاسية بمعيار ذلك الزمان . ونحن نعلم أن القوانين الغربية كانت تتسم بالشدة والصرامة إلى عهود قريبة جدا ، غير أنها لم توصم بالوحشية وعدم مسايرتها للأوضاع الحديثة . كما أن تنفيذ عقوبة الإعدام والحكم بها ما زالت مطبقة في العديد من شعوب الكرة الأرضية وهي أشد وأقسى عقوبة على الإطلاق طالما كانت تقضي على حياة الكائنات البشرية . ونحن نرى أن الإسلام - وهو يحدد عقوبات الحدود - ينظر إلى الجرائم المرتكبة نظرة شمولية تلحق أبلغ الإضرار بالمجتمع والأمة بأكملها . فهو يعتبر الزنا من رجل محصن وسرقة أموال الناس في الخفاء ، من أقبح الجرائم وأشنعها لأنها تنصبّ على حرمة الناس وعلى أموالهم ، وبذلك فإنه قد واجهها بهذه العقوبات الصارمة زجرا لمرتكبيها . يضاف إلى ذلك أن إعطاءه حق تنفيذ هذه العقوبات للسلطات المختصة قد قضى على نظام الثأر سواء في مثل هذه الجرائم أو في جرائم القتل ، علما بأن الإسلام قد بزّ التشريعات الحديثة عندما منح لولي الدم حرية العفو عن القاتل بعوض أو بدونه وهو أمر مستحسن لأنه يؤدي إلى التقليل من عقوبة الإعدام كما يؤدي إلى صفاء النفوس وعودة العلاقة الطبيعية بين الناس . كما نلاحظ أن عقوبات الحدود ليست في حقيقة أمرها إلّا عقوبات تهديدية لأنها تخضع في تطبيقها إلى وسائل إثبات صارمة شديدة ومحددة يستحيل معها أحيانا الحكم بها وبالتالي تنفيذها ، ومن هنا جاء قول الرسول عليه السلام : « ادرءوا الحدود بالشبهات » ، كما أننا قد رأينا في مناسبات سابقة تعطيل حد السرقة وقت المجاعة ، وتعطيل إقامة الحدود مهما كان نوعها في أرض العدوّ وإبان العمليات العسكرية الفعلية . وهذه الأمور مجتمعة تجعلنا نعارض ما ذهب إليه « كولسون » عندما حكم بسرعة على قسوة العقوبات في الشريعة الإسلامية وعلى أنها لا تلائم الدول المنظمة الحديثة . ويذهب « كولسون » - وهو محق في ذلك - إلى أن إدخال القوانين التجارية إلى البلاد الإسلامية وخاصة الدولة العثمانية يعود إلى نظام الامتيازات الذي حققت به الدول الغربية لرعاياها في هذه البلدان ميزة الاحتكام إلى قوانينها الخاصة بها . وقد كان نتيجة ذلك استمداد الدولة العثمانية للكثير من القوانين الغربية كما أسلفنا بيانه .