أصدرت « مجلة الأحكام العدلية » التي نظمت قوانين العقود والالتزامات والإجراءات المدنية على هيئة مواد قانونية . ثم أصدرت القانون المدني العثماني عام 1877 م . وقد ورد في مدخل هذا القانون أن الغرض من إعداده هو تقديم مواد قانونية إلى المحاكم العلمانية التي أنشئت حديثا لتسهّل عليها تطبيق القوانين الإسلامية التي لا يمكن فهمها من كتب الفقه المختصرة والمعقدة ، فجمعت هذه الأحكام وصيغت في صورة قانون حتى يتسنى الرجوع إليها .
وقد استمر العمل في تركيا بمجلة الأحكام العدلية وغيرها من القوانين الأخرى المستمدة من الشريعة الإسلامية حتى تمّ إلغاؤها عام 1926 م ، بالرغم من بقاء تطبيق أحكام الشريعة على الأحوال الشخصية والوقف ، وقد بقيت مجلة الأحكام العدلية مطبقة في بعض الأقطار الإسلامية ك « لبنان » حتى عام 1932 م ، وسوريا حتى عام 1949 م ، والعراق حتى عام 1953 م .
أمّا فيما يتعلق بتطبيق القوانين الإسلامية في مستعمرات الهند البريطانية وفي الجزائر التي سقطت تحت الاحتلال الفرنسي فإن تدرج تطبيق هذه القوانين المقدسة فيها قد تم على عدة مراحل . ذلك أنه عندما قررت شركة الهند الشرقية عام 1772 م مدّ سيادتها وسلطاتها التشريعية خارج مصانعها وممتلكاتها وجدت أمامها قانون الأحوال الشخصية والإرث والقانون الجنائي طبقا لمفهوم الشريعة الإسلامية . وبالرغم من التعديلات التي أدخلت تباعا على القانون الجنائي الهندي فإنه لا يزال مطبقا طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية على سكان البنغال بكاملها والمقاطعات الهندية الأخرى ذات الأغلبية المسلمة حتى عام 1862 م . بل إن وسائل الإثبات الإسلامية لم يتم إلغاؤها نهائيا قبل عام 1872 ميلادية . ونظمت القوانين الصادرة عام 1772 م قوانين الأحوال الشخصية ، والإرث ، والوقف ، والشفعة على غرار الشريعة الإسلامية . ولم تحدث أية احتجاجات ظاهرة عندما حلّت القوانين الأوروبية محل الشريعة الإسلامية في هذه الأصقاع خلال القرن التاسع عشر الميلادي . بل إن القضاة البريطانيين حلّوا محل القضاة المسلمين عام 1772 م في الهند . وقد ساعدهم في مهامهم علماء مسلمون تتحدد مهامهم في بيان أحكام الشريعة الإسلامية لهؤلاء القضاة البريطانيين . وعلى طول المدى أصبح تعيين القضاة في المقاطعات الهندية ذات الأغلبية المسلمة من نصيب المسلمين . ولكن النظام القضائي وتنظيم المحاكم وغيرها من الإجراءات القضائية الأخرى كانت تتم طبقا للقوانين البريطانية خاصة بعد إدخال نظام السوابق
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 422
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٤٢٢