تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
والمتخصصون بالفقه الإسلامي على السلاطين والحكام العثمانيين . حتى أصبح السلطان « سليم الأول وسليمان الأول » وخلفاؤهما أكثر جدية وميلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من الخلفاء العباسيين الأوائل . وهكذا أسسوا إدارة العدالة وفق أحكام الشريعة الإسلامية . وطوعوا أنظمتهم الإدارية المحلية للقضاة حتى أصبح الحكام المدنيون ورؤساء الشرطة تحت سيطرة القضاة كل في منطقته . ونظموا القضاء على شكل هرمي ديني ، ومنحوا « مفتي استانبول » سلطات خاصة وضعته على رأس هذه الهيئة القضائية ويحمل لقب « شيخ الإسلام » . وأصبح هذا المنصب من أعلى مناصب الدولة في الإمبراطورية التركية حالة كون حامله مخولا مراقبة تطبيق القانون المقدس في الدولة ويشرف على أنشطة الهيئة القضائية . وكان يستشار في كل الأمور والمناسبات لمعرفة مدى تطابقها مع الشرع الإسلامي من عدمها . وكان أهم شخصية تقلّدت هذا المنصب هو المفتي الكبير « أبو السعود » المتوفى عام 982 هجرية والذي عينه السلطان « سليم الأول » في هذا المنصب . وقد نجح هذا المفتي الكبير في وضع القانون الإداري للإمبراطورية العثمانية متمشيا مع الشريعة الإسلامية . وهكذا توصلت هذه الشخصية إلى التوفيق منذ بداية الأمر بين نظام الوقف الإسلامي ونظام « الطابو العثماني » . كما وضع نظاما للقضاة يلتزمون بموجبه اتباع توجيهات السلاطين فيما يتعلق بتطبيق الشريعة للإسلام . وأحد هذه التوجيهات ضرورة تطبيق المذهب الحنفي فيما يعرض عليهم من قضايا ، وبعضها تحديد اختصاصات القاضي من عدم النظر في بعض القضايا دون سواها والتي لم تعرض عليه منذ خمس عشرة سنة ، الأمر الذي أدى إلى إقامة نظام « التقادم » الذي لم يكن معروفا في الإمبراطورية العثمانية « 1 » . ولم يتميز السلاطين العثمانيون بحماسهم للقوانين المقدسة والدفاع عنها فحسب ولكنهم تميزوا كذلك بأنشطتهم التشريعية ، فقد لقب السلطان « سليمان الأول » ب « القانوني » لنشاطه التشريعي الفعال وتنظيمه إدارة عامة فعالة . وهؤلاء السلاطين أصدروا « قانون‌نامه » الذي هو عبارة عن قوانين حقيقية ، وهم يعتقدون - بحسن نيّة - أن بإصدارهم لهذه القوانين فإنهم لا يناقضون الشريعة الإسلامية ولا يلغونها ولكنهم يكملونها . بل إن أول هذه « القوانين‌نامه » التي أصدرها « محمد الثاني » عام 1481 ميلادية ترجع دوما إلى الفقه الإسلامي وتستخدم مفاهيمه وأحكامه بكل حرية . فهي
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 80 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 420 | ساسي سالم الحاج